ابنوا الوطن من جديد

calendar icon 06 تشرين الأول 1974 الكاتب:موسى الصدر

في هذا اليوم المجيد وفي هذا الجو المليء بالاعتزاز والأمل، أجد أمامي صورتين متناقضتين، ولكنهما مرتبطتان بإنساننا في هذه المنطقة، هذا الإنسان أصل الوجود والهدف من الوجود، والصانع للحياة.
إن الصورة الأولى لإنساننا أنه كان يشعر قبل هذه الأيام أنه مهدور الكرامة، مُغتَصب الحقوق، فالحصول على الحقوق يفرض عليه المصير، ولا يملك ذاته ولا يتصرف في أرضه ولا يحق له أن يساهم في الرسالة الإنسانية في العالم؛ وكانت حرب تشرين فشعر الإنسان هذا بأنه استعاد كرامته واسترجع حقوقه وتمكن من البدء بتقرير مصيره بمعزل عن القوى الضاغطة والمستعمرة والمتحكمة في العالم. هذا الإنسان الجريح الذي عولج والمحروم الذي نال حقه، هذا الإنسان أمامنا يحيي أرواح الشهداء، يحيي قادة المسيرة والجنود والأبطال الذين خاضوا معارك تشرين في جبهتي سيناء والجولان.
هذه الحرب التي كانت البداية، التي تذكرنا بواقعة بدر الكبرى التي يسميها القرآن بيوم الفرقان، حيث اختلف كل شيء وتغير كل شيء وبدأت المسيرة، والصفحات تكتب من جديد. في مثل هذا اليوم، وبين عشية وضحاها، وجدنا أن الأمة توحدت والدول العربية الشقيقة أخذت موقعها الطبيعي من المعركة والأصوات والفئات والأفكار بدأت تنصب في المعركة. وكانت الأمة التي كانت تشكو الفراغ حتى إذا وجدته قد ارتفع، وإن المعركة باتت على الأبواب، اتجهت الأفكار والفئات اتجاهًا واحدًا وشعرنا بالوحدة من أقصى الخليج إلى أقصى المحيط، وحدة شاملة بين الشعوب.
إن أسطورة تفوق العدو تحطمت إلى الأبد، كما أن ضعف معنوياتنا وشعورنا بأن إسرائيل قد فُرضت علينا تَبَدَّلَ، حتى أننا نتمكن أن نقول اليوم غير ما يقوله القادة السياسيون المرتبطون بالقرارات الدولية والملتزمون عالميَّا بأن المهم إزالة آثار العدوان وإعادة الحقوق المشروعة للشعب الفلسطيني. نحن كشعب بإمكاننا أن نقول واثقين من المستقبل بأنه يجب إزالة إسرائيل من الوجود، فإسرائيل بهيئتها الحاضرة عنصر عدواني ووجودها يخالف المسيرة الإنسانية، وبعكس التحرك الأساسي للحضارة الإنسانية. فلذلك، لا مقام لها معنا ولا لها بيننا مكان، بل إن الأرض فلسطينية عربية إسلامية، مسيحية، يهودية، محضة. وهذا الشعور ساد العرب لأول مرة  أحسسنا به بعد حرب تشرين عندما وجدنا الانطلاقة، فشعرنا بالثقة وبدأت الدول الصديقة تزداد صداقة والدول المتعاطفة تأخذ مكانها الطبيعي.
لقد تغير كل شيء، فالأصدقاء زادوا من صداقاتهم وأوروبا المتكبرة الطاغية تنصلت من مواقفها السابقة ضد العرب من أجل اكتساب ثقتهم من جديد، شاهدنا اليوم القضية الفلسطينية دخلت الأمم المتحدة من الباب الواسع، ودخلت العالم، ضمير كل العالم.
إن التغيرات على صعيد القضية الفلسطينية ودخولها من الباب الواسع إلى الأمم المتحدة، ودخلت ضمير العالم كله. مع ازدياد العمليات داخل الأرض المحتلة مما أفقد إسرائيل أعصابها وحاولت الانتقام من أرضنا وجنوبنا وشعبه الآمن في منطقته المعذبة. ودخلت المعركة المساجد والكنائس وقادها رجال الدين والعلماء فشاهدنا المطران الوديع الهادئ كبوجي حامل رسالة المحبة، يحمل غاضبًا السلاح ويتهجم على الاغتصاب كأنه يريد أن يترجم مفهوم الصليب، فالصليب رمز إلى صلب المسيح، والذين صلبوه هم أجداد الصهيونية المعاصرة. إن أي وقوف حقيقي -لا شكلي- مع المسيح هو بتحويل الصليب إلى رشاش، إلى سلاح، إلى بندقية تنتقم من قاتل الإنسان، ومن المتنكر للحق والظالم للبشر في كل عصر. وهذه الأمور هي نتائج طبيعية لحرب تشرين التي تتحول وتتفاعل بين أمتنا.
واليوم عندما نعيد الذكرى نقف لنفتش عن السبب، وكان السبب من الإرادة العربية من الوحدة، من إرادة القتال ونصرة الله وجدية العمل.
إلى جانب هذا الإنسان، إنسان آخر مرتبط به، شاهدته ليلة أمس، ليلة السادس من تشرين، أيها المحتفلون بالنصر، أيها المهتمون بالأمة من الخليج إلى المحيط  في الساعة الواحدة والنصف ليلًا، بينما كنت أقوم بجولة في أرض الجنوب بمناسبة ذكرى ليلة القدر... شاهدت في وسط الصحراء سيارة مليئة بالأطفال والنساء، جاءت من بليدا، فكرت أن السيد موسى قد يخفف من آلامها، فطوقوا سيارتي، وراحوا يبكون ويقولون إن إسرائيل تقصف بليدا فقتلت أربعة وجرحت العشرات، وقد رأيت اليأس يسيطر على وجوه الأطفال والنساء... إنهم ينتظرون بريق أمل من الدولة بأن تحميهم، وتمنوا عليَّ أن لا أذهب لأن إسرائيل لا ترحم والوضع خطير هناك. النساء كن يتوسلن إليَّ. فما ذنب هذا الإنسان؟ فلنهتمْ بعض الشيء بهذا الإنسان المعذب، في هذه الأرض المعذبة.
من لهؤلاء الأطفال أيها المسؤولون؟ من لهؤلاء النساء الثكالى؟ من لهذه البيوت التي تتحطم تتهدم يومًا بعد يوم ولا دفاع؟ من لهؤلاء القتلى الذين يموتون كل ليلة موت الذل ولا يعرفون لماذا؟ من لإنساننا في هذه المنطقة، عشية الاحتفال بأمجد الذكريات وأشرفها؟ وما هي النتائج لذلك؟
سامحوني أيها الإخوة، لا يمكنني أن أتجاهل من هم حولي، والله ما خلقت كالبهيمة المربوطة، همها الوحيد علفها وشربها. فما ذنب هذه المنطقة؟ وما ذنب سكانها؟ قولوا لنا، صارحونا لقد نفد صبرهم، وكفروا بكل شيء حتى بالوطن، على من تركنا هؤلاء؟ كفروا بكل أمل فأنا لن أغض الطرف عمَّا حولي وأنظر إلى انتصارات الجولان وسيناء، رغم أن جذوري، وحياتي كلها مرتبطة بهذه الأمور. على من نتركهم يتحطمون تحت الأقدار بذل؟ ولأول مرة في التاريخ شعب يقدم ضحايا ولا يستفيد بل العكس نقدم الضحايا ونصبح حلفاء للعدو، لأن الوطن لا يحمينا ولا يدافع عنا.
إنساننا المعذب الذي يتحمل غلاء المعيشة، وتلوث المياه وانقطاعها والاحتكارات المثقلة على الكواهل. إنساننا هذا يعيش حرية الاحتكار، لا حرية الاقتصاد، إنساننا هذا يرى مشاريعه مجمدة وتنميته واقفة ويرى اللامبالاة. ماذا يطلب منه؟ ماذا نقدم له في الذكرى؟ ذكرى مجد الأمة لهذه القطعة الرائدة من هذه الأمة الكريمة.
أؤكد للحضور وبيننا كبار المسؤولين اسمعوا كلام صدق دون مجاملة، دون مسايرة، دون مبالغة، دون مزايدة، فلست بحاجة إلى التصفيق وتمجيد ولست بحاجة إلى الهتاف، اسمعوا صوت الضمير: إن الشعب لا يبالي بالمسؤول، أي مسؤول كان وصراحة أقولها: وان الثقة قد فقدت، أن هذه التجربة هي التجربة الأخيرة في تاريخ لبنان ونظامه. لقد ملت الناس الصبر، لقد أثقل كاهل الناس الغلاء والتحكم والفساد والاستئثار، لقد تعبت الناس تحت الأعباء الثقيلة.
الآن أمام التجربة الأخيرة.. الشعب لا يبالي من يكون ومن لا يكون مسؤولًا، إنما يهمه أن يرى خلال فترة زمنية محددة تخفيفًا للغلاء تأمينًا للدفاع، تعميمًا للعدالة الاجتماعية وتحسينًا للمياه بين المناطق والمواطنين. يريد أن يكشف عن وجه المتآمرين الذين تحكموا وسرقوا ونهبوا وأجلوا عشرين سنة تنفيذ مشروع الليطاني وارتكبوا الفضائح في الريجي فأكلوا أموال الناس. وبذلوا جهودًا عظيمة لإسكات الناس. الشعب يريد محاكمة هؤلاء الذين سببوا هذا التخلف حتى لا يتمكن أحدهم من الرجوع إلى المسرح فيطرح شعارات جديدة ويزايد.
اختاروا لأنفسكم من تشاؤون فذلك ضمانة لمصيركم وثقة الشعب بكم، وفرصتكم الأخيرة، وقد أكون مخطئًا أو مصيبًا، فالشعب لا تهمه أخبار الاستشارات والتشكيلات والشروط، فوالله العظيم إن كلمة الشعب هي أنه ملَّ هذه الأمور ولا يبالي بها. أنقذوا بلدكم. وساهموا في مجد أمتكم وأعيدوا دور لبنان الكبير الحضاري إلى أذهان أبنائه الذين كادوا أن يكفروا به، والذين يشعرون أنهم يعيشون في وطن بلا سقف، فكل انتماء ترونه اليوم هو بديل عن الانتماء الوطني.
الشعب يريد الخبز والدفاع والأمن والكرامة، لا أريد صوتًا، ولا تصفيقًا، فوالله وأنا صائم في شهر رمضان، أقول لكم الحق، واليوم ذكرى استشهاد الإمام علي بن أبي طالب (عليه السلام): لنختصر الأوقات، الشعب لا يتحمل والانتماء الوطني أصبح شيئا لا يكفي للمواطن العادي. ابنوا الوطن من جديد واستفيدوا من هذه الفرصة.
______________________________
* ألقى الإمام الصدر خطابًا بمناسبة الذكرى الأولى لحرب تشرين الأول/ أكتوبر 1973، في قاعة قصر الأونيسكو بتاريخ 6 تشرين الأول 1974، ونشرته جريدة الحياة بتاريخ 7 تشرين الأول 1974، كما أوردت تفاصيل الخطاب نفسه صحف لبنانية أخرى كالنهار ولسان الحال في التاريخ نفسه.

source