البدريون

الرئيسية صوتيات التفاصيل
calendar icon 13 نيسان 1971 المؤلف: موسى الصدر

والصلاة والسلام على خير خلقه وخاتم رسله محمد وعلى آله الطيبين وأصحابه المنتجبين ومن دعا إلى طريقه إلى يوم الدين.
أيها الإخوة الأعزاء،
نجتمع في المسجد، في بيت الله، والأرض كلها ملك لله. ولكن هذا المكان شرفه الله بأن سماه بيتًا له، ولا شك أن الكريم يحمي ضيفه، ويدافع عن الذي يدخل في بيته. فنحن في هذا المكان، في فناء رحمة ربنا، وفي ظلال عفوه ولطفه وعنايته، وفي يوم الجمعة وهو يوم خصصه الله للمسلمين بعد أن خصص أيامًا أُخر للأديان الثانية، ويرمز يوم الجمعة في أمتنا إلى أنه يوم يجمع الله الناس يوم القيامة للحساب. فحينما نجتمع يوم الجمعة، نتذكر أننا في مثل هذا اليوم سوف نمتثل أمام حساب نُحاسب به عن حياتنا يوم القيامة، فنتذكر ذلك اليوم وذلك الموقف، فنحاسِب أنفسنا قبل أن نحاسَب، ونحاول أن نصحح أخطاءنا ونعيد حياةً جديدةً في الأسبوع الجديد. وحينما نفكر في أوضاعنا، في أوضاع المسلمين العامة، نرى أن المسلمين يعيشون في العالم اليوم في ﴿ظلمات بعضها فوق بعض﴾ [النور، 40]، وإذ كان هناك من نقطةٍ من النور، نور الأمل، نور الكرامة، نور الإسلام الحق، فنحن نجده في هذا المكان، وبينكم، وفي هذا البيت المبارك وفي هذا المكان المبارك.
أيها الإخوة الأعزاء،
لا أبالغ فيما أقول، بل أعتقد أنكم في هذا العصر مثل البدريين في أول الإسلام، فيومكم وحياتكم كيوم بدرٍ الأولى، يومٌ يسميه القرآن الكريم بيوم الفرقان. لماذا سمي يوم بدر بيوم الفرقان؟ لأن في هذا اليوم افترق الحق عن الباطل، ووُضِع لهما حدودًا، وفي هذا اليوم افترق الجِدُّ عن الحزم ووُضع لكل منهما حدًّا. حتى المسلمون أنفسهم قبل هذا اليوم ما كانوا يصدقون وما كانوا يطمئنون بأنهم يستحقون الوقوف في وجه أعدائهم المكيين المشركين، ونحن نعرف أن في تاريخ الجزيرة أهل مكة كانوا يعتبرون أنفسهم أشراف الناس وسادة المنطقة، وكانوا ينظرون إلى أهل المدينة باحتقار؛ وكانوا يعتبرونهم أنهم ليسوا بمستوى أهل مكة الأشراف الذين فضلهم الله بأن أسكنهم بجوار بيته. هذا المفهوم كان قائمًا إلى يوم بدر، فواجه أهل مكة أهل المدينة وهم يعيشون في كبرياء وخُيَلاء ولا يحسبون لأهل المدينة أي حساب. ولكن حينما التقى الجمعان تبين الفرق، وظهر أن هذا العنصر المدني الأنصاري الذي كان يحتقره المكي في سابق الزمن ويعتبر نفسه سيدًا عليه، هذا المدني الأنصاري مع من انضم إليه من أهل مكة من المهاجرين الذين كانوا أيضًا لا يُعامَلون من قبل سادة قريش الكفار إلا باحتقارٍ، وإلا بعدم الاهتمام والمبالاة، هؤلاء من المهاجرين والأنصار المحتَقَرين في رأي سادة قريش وقفوا أمامهم... وبعد أن التقى الجمعان تبين الفرق، وتبينت الحقيقة، وتبين أن الإسلام، هذا الإسلام الذي ما كانوا يعدون له أي عدة وأي إحساس قد جعل من هؤلاء النفر، ومن هؤلاء البسطاء من الناس، ومن هؤلاء الـ... الشعب المتواضع، جعل محمد (عليه الصلاة والسلام) من كل واحدٍ منهم بطلًا، ومن كل واحدٍ منهم عملاقًا، فهو في أعماق ذهنه يعتقد أن السماء والأرض بخدمته، وأن السجود يشمل الشمس والقمر والنجوم والشجر والدواب، وأن الأمطار تنزل من السماء بأمرٍ من الله لكي يطهرهم، ولكي يُذهب عنهم الرجس وأن الشمس والقمر في خدمتهم لأنهم مع الحق والحق هو أساس الكون: ﴿وما خلقنا السماوات والأرض وما بينهما لاعبين ما خلقناهما إلا بالحق﴾ [الدخان، 38-39]. فالإنسان المسلم في معركة بدر الكبرى كان يقف في وجه القُرَشي الذي كان يعتمد على خُيَلائه وكبريائه واعتزازه بذاته وبأصنامه كان يقف في وجهه وهو معتمدٌ على الله الذي بيده ملكوت السماوات والأرض، ﴿والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر، 67] فكان يقول أمام القرشي الذي كان ينادي: هذه عُزَّى ولا عزة لكم، كان ينادي قائلًا: الله مولانا ولا مولى لكم. وهكذا كان يقف بطلًا شامخًا في وجهه... هنا ظهر الفرق، وتبين أن الفصل فصل جديد في تاريخ العالم فالمدني المتواضع متواضعٌ ورحيمٌ فيما بينهم، ولكنهم أشداء على الكفار، تبين أن هؤلاء تمامًا مثل الدجاجة التي تتعرض صيصانها للخطر، تتحول إلى بطلٍ وإلى عملاق لا يبالي بالموت، ويقف في وجه الدفاع عن كرامته والدفاع عن دينه.
وهكذا تبين أن اليوم هو يوم الفرقان. الفارق بين الحق والباطل، والفارق بين الهزل والجِد، والفرق بين الكبرياء والحقيقة، والفرق بين الإيمان باللَّه والكفر به، وحتى أنفُس المسلمين ما كانوا يعتقدون أنهم سينتصرون بهذه الصورة المدهشة و.. ويشير إلى ذلك القرآن الكريم أنكم: ﴿لو تواعدتم لاختلفتم في الميعاد﴾ [الأنفال، 42]، ولكن أراد الله أن يقضي أمرًا كان مقدره، وأن يؤكد: ﴿إن يكن منكم عشرون صابرون يغلبوا مئتين﴾ [الأنفال، 65]، وهكذا في هذا اليوم المبارك تبين كل شيء واتضح كل شيء.
هذا يوم الفرقان، هذا اليوم الذي جعل أهله عظيمًا معظمًا، كبيرًا مقدرًا في تاريخ المسلمين، مقدمًا على غيرهم من المهاجرين والأنصار يوم بدر يوم غفر الله لهم الذنوب وشرفهم ووضعهم في أعلى عليين.
أما أنتم أيها الإخوة المجاهدون، أيها الإخوة المرابطون، إذا حاسبتم أنفسكم في يوم الجمعة، يوم المحاسبة، ترون أنكم تقفون موقفًا مشابهًا لموقف بدر، لأن الإسلام ككل أصبح محتقَرًا عند الكفار، وأصبح مهزلة في ذهن الأعداء، لا يحسب العالم للمسلمين أي حساب، لا حسابًا حضاريًّا ولا حسابًا ثقافيًّا ولا حسابًا بشريًّا وعدديًّا، وإنما ينظر إلى المسلمين من خلال منابعهم وذخائرهم الأرضية، وإمكانيات خدمتهم لمصالح المستعمر، هكذا ينظرون إلينا لا يحسبون لنا أي حساب. كما كان المكيون ينظرون إلى أهل المدينة. لماذا أصبحنا مُحتقَرين في ذهنهم؟ لأننا تركنا الجِد في فترة طويلة من الزمن، ولأننا نسينا الجهاد في فترة طويلة من الزمن، فأصبحنا نتمسك بحياتنا وبراحتنا وبنَفَسِنا وبأجسامنا وبما نملك، نتمسك بكل ذلك وأصبحنا خدمًا لكل هذا. وحينما أصبحنا حراسًا لحياتنا ولأموالنا ولأولادنا ولبيوتنا أصبحنا أذلاء لأننا خفنا من الموت فعِشنا ميتين ونحن أحياء. بينما لو كنا نعتبر أن أموالنا وحياتنا سبيلٌ لكرامتنا ووسيلة لعزتنا ولمجدنا ولمجد الله سبحانه وتعالى الذي نحن إليه وإليه راجعون، لو كنا لا نبالي بالموت، لو كنا نتصرف في الحياة كما نشاء، لكان يُخشى جانبنا ولكان يُحسب لنا الحساب. أنتم في وقوفكم هنا تعيدون الأمور إلى نصابها، وتضعون الجهاد ضمن إطار الفكرة الإسلامية، وبعد ذلك لا يقال عنا إنهم لا يحاربون.
قرأت من مدة في رسالةٍ لرئيس جمهورية أميركا السابق، في رسالة موجهة إلى زميل له، يقول: نحن لا نتمكن أن نصدق أن الأرض هي الأرض العربية طالما أنهم لا يموتون لأجلها. هكذا ينظر العالم إلينا ، كل شيء من نشاطٍ وعملٍ ودعايةٍ وإعلامٍ وفكرةٍ وعلمٍ، كل شيءٍ في محله، ولكن لا يُستغنى إطلاقًا عن الموت والاستشهاد والسيف والقوة، يجب أن يكون هذا الشيء ضمن الإطار الشامل، لا نقول إن هذا يكفي ولكن هذا لا يُستغنى عنه إطلاقًا. لو حذفنا من تاريخنا الجهاد، ولو نسينا من تعاليمنا الاستشهاد وتقديم الحياة، لكنا نستمر في هذه الفترة المظلمة من تاريخ أمتنا التي نراها مفصلة إلى استعمارٍ بعد استعمار، واستثمارٍ فوق الاستثمار، وتفرقة داخلية، وتجزئة إقليمية، ويتصرفون فينا كقِطَعٍ من لحم الأضاحي.
بطبيعة الحال، هذا اللوم ما أراده الله لنا ولا رسوله، فهم قالوا: ﴿لله العزة ولرسوله وللمؤمنين﴾ [المنافقون، 8]. ولكن كيف تعود العزة إلينا وإلى أمتنا من دون أن يكون لنا تطبيق كامل لتعاليم الإسلام، فكانت هذه التعاليم بأيدي المسلمين ناقصة فاكتملت بموقفكم. فإذا قلنا لكم: أيها البدريون المعاصرون فلا نبالغ في ذلك، لأنكم تضعون وتخلقون وتصنعون وتسطرون يوم البدر الجديد في حياتنا المعاصرة، يوم الفرق بين المزح والهزل واللامبالاة والكسل في أمتنا وبين الجِد والحزمِ والاستشهاد والجهاد في أمتنا. أنتم تضعون حدًّا وفارقًا في تفكير المستعمر وفي تفكير الأمم الأخرى عنا حينما حكموا علينا باللامبالاة واحتقرونا، من اليوم سوف يضعون لنا فصلًا جديدًا في حياة تاريخ أمتنا، ويعتبرونها فصلًا جديدًا في حياتنا، فصل الجِد، فصل العزة، فصل المجد. في هذا اليوم، نتمكن أن نؤكد للأعداء أننا لسنا منهزمين، وأننا لسنا ضعفاء، وأننا لسنا نكفر بأرضنا، وأننا مستعدون أن نبذل الحياة في سبيل الكرامة.
في هذا اليوم نختار من الطريقين المعروفين في القرآن الطريق الأشرف. القرآن الكريم في آيات الجهاد يرسم لنا طريقين، فيقول: ﴿وأنفقوا في سبيل الله ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾ [البقرة، 195]. الإنفاق في سبيل الله لا يعني الإنفاق بالمال فحسب، بل الإنفاق هو عطاء كل ما يملكه الإنسان. فالإنفاق بالمال إنفاقٌ، والإنفاق بالنفس إنفاقٌ، والإنفاق بالعلم إنفاق، وهذا كلام القرآن المجيد حينما يقول في آية أخرى: ﴿يسألونك ماذا ينفقون قل العفو﴾ [البقرة، 219]. حتى العفو في المنطق الإسلامي إنفاق. فكل ما يملكه الإنسان إذا أعطاه فقد أنفق مما أنفق الله عليه. و﴿وأنفقوا في سبيل الله﴾، يعني هذه الحياة التي تملكها، التي هي أفضل وأعز ما تملكه أنفقها في سبيل الله، وإلا فسوف تلقي نفسك في التهلكة. عدم الإنفاق، عدم الجهاد، عدم الاستشهاد هو الإلقاء في النفس في التهلكة، وليس هنا إلا هذين الطريقين: إما أن تنفق نفسك في سبيل الله أو تلقي نفسك في التهلكة. والفرق بين الطريقين أن في الحالة الأولى أنت تنفق فأنت الكريم، وأنت الشريف، وأنت الأفضل لأنك تعطي؛ ماذا تعطي؟ تعطي روحك في سبيل الله، من الذي يأخذ منك؟ الله سبحانه وتعالى: ﴿إن الله اشترى من المؤمنين﴾ [التوبة، 111]، هو يقبل، صحيح أن بذل الروح لكرامتنا ولديننا ولخيرنا، ولكن الله يقبل ذلك له، هو يقبل، ويسميه في سبيل الله.
فإذًا، من الذي يأخذ روحنا؟ الله سبحانه وتعالى. ولكن هل نموت؟ كلا، القرآن الكريم ينكر ذلك، والقرآن الكريم ليس كتاب شعر بل يقول: ﴿ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتًا بل أحياء عند ربهم يرزقون * فرحين بما آتاهم الله﴾ [آل عمران، 169-170]، ﴿ويستبشرون بالذين لم يلحقوا بهم﴾ [آل عمران، 170]. الشهيد ليس ميتًا، لأن الميت ما هو وصفه؟ الميت هو الذي لا يعطي، الميت هو الذي لا يعمل عملًا، الميت هو الذي لا ينمو ولا يتحرك. الشهيد يتحرك ويعطي وينمو، كيف ذلك؟ لأن الشهيد يحول حياته الزائلة وعمره القصير يحوله إلى القيم، لأن دماء الشهيد هي التي تصون كرامة الأمة، وهي التي تدعم تعاليم الإسلام. فأنت إذا لاحظت الشمعة، هل لاحظت الشمعة؟ الشمعة... المواد الجامدة تتحول إلى نور... دمُ الشهيد يتحول إلى الكرامات، إلى صيانة القيم، إلى المحافظة على الإسلام، وبعد ذلك اليوم أي إنسان يصلي الشهيد شريك في صلاته، أي إنسان يعلم الشهيد شريك في فضل تعليمه، أي إنسان يعمل الخير الشهيد شريك في أجره، أي إنسان يحافظ على كرامته دمُ الشهيد يشكل قاعدة لهذه الكرامة. فبعد استشهاد الشهيد كل خيرٍ يصدر في الأمة يُرزق الشهيد ويرتفع مقامه ودرجاته عند الله، لأن من سنَّ سُنَّةً حسنة كان له أجرها وأجر من عمل بها إلى يوم القيامة. الإنسان حينما يقدم دمه في سبيل الله كل ما يأتي من ثمرات هذا التقديم هو شريك فيه. ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿أحياء عند ربهم يرزقون﴾ [آل عمران، 3]. ماذا معنى الرزق؟ الرزق الإلهي هو الكمال وارتفاع الدرجة وعلو المقام بالجنة، الشهيد كل يوم ترتفع درجته، ليش؟ لأن إذا صلى المصلي، وأذن المؤذن، وقرأ القارئ، وتصدق المحسن، وعلم المعلم، إذا المرأة احتفظت بعفتها وكرامتها، والطفل تربى في راحة، والعجوز عاش في كرامة، فالشهيد هو الذي وضع من دمه سورًا وصيانةً للمحافظة على كل هذه المسائل.
فإذًا، هناك طريقان:
الطريق الأول: أن تدفع روحك وأنت الكريم، لله أكرم الأكرمين، والعمل شهادة، الدافع الإنسان المنفق، المدفوع إليه ربنا، والمدفوع شهادة وكرامة وحياة أبدية.
أما الصورة الثانية، إذا ما أنفقنا دماءنا في سبيل الله، هذا إلقاء للنفس في التهلكة، سوف نعطي حياتنا ونحن صاغرون، سوف يأخذ منا إسرائيل والمستعمر حياتنا. ندفع أذلاء إلى أذل منا والعمل هو عمل الهلاك. هذا هو المنطق الإلهي.
فإذا قلت إنكم البدريون في قرننا وفي حياتنا لا نبالغ، لأنكم سوف تضعون حدًّا وفارقًا بين الماضي والمستقبل، بين الجِد والحزم، بين الاحتقار والكرامة، بين التقديم لله الكريم، وبين التقديم لأذلاء الخلق، إعادة الثقة إلى الأمة، إعادة العز إلى المؤمنين، فهنيئًا لكم أيها الأعزاء.
بسم الله الرحمن الرحيم ﴿والعصر * إن الإنسان لفي خسر * إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات وتواصوا بالحق وتواصوا بالصبر﴾ [العصر، 1-3]
والسلام عليكم.
__________________________

* خطبة الجمعة للإمام الصدر أثناء زيارته جبهة السويس، بعد إقامة صلاة الجمعة في مسجد المدينة في الضباط والجنود المرابطين على الجبهة بتاريخ 13 نيسان 1971.

source
عدد مرات التشغيل:128