في رحاب عيد الفطر السعيد، نتوجه بقلوب خاشعة وعقول متدبرة، لنستلهم من معاني هذه المناسبة العميقة، ونستنير بتعاليمها القيمة. فالعيد في الإسلام ليس مجرد احتفال بمظاهر الفرح والبهجة، بل هو وقفة جادة مع الذات، ومراجعة صادقة للمسيرة، وفرصة متجددة لتعزيز الروابط الإيمانية والإنسانية، وكي ندرك المقصد الحقيقي من تشريعه، والغاية السامية من إيجاده، ليكون عيدًا مباركًا بكل ما تحمله هذه الكلمة من دلالات روحية واجتماعية كما يقول الإمام:
* الخطبة الثانية للإمام موسى الصدر من خطبتي عيد الفطر، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿إذا جاء نصر الله والفتح* ورأيت الناس يدخلون في دين الله أفواجًا* فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابًا﴾ [النصر]
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيدنا محمد، وعلى آله الطيبين الطاهرين.
وبعد،
نقرأ في السورة المباركة، التي قرأناها في الركعة الأولى من صلاة العيد، في سورة: ﴿سبح اسم ربك الأعلى﴾ [الأعلى، 1]، نقرأ هذه الآيات: ﴿قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلى * بل تؤثِرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى * إنَّ هذا لفي الصحف الأولى * صحف إبراهيم وموسى﴾ [الأعلى، 14-19].
وهذا المعنى، يعني معنى الزكاة؛ في هذا اليوم ورد في هذه السورة، وفي كثير من أدعية هذا اليوم، حتى في الخطبة المأثورة عن أمير المؤمنين (ع) -الخطبة الوحيدة الباقية من تراثنا الإسلامي- يؤكد الإمام فيها على الزكاة. وأنتم تعلمون أن الزكاة في هذا اليوم، واجب على كل فرد متمكن من نفسه، وعن أولاده، وعن عياله. عن جميع من يعوله.
ولا شك أن هذا يرمز إلى تعميق الشعور الإنساني، والتأكيد بأن الإنسان، الإنسان الذي يريده الله، الإنسان الذي يرضى عنه الله، الإنسان الذي يريد أن يربيه الإسلام، الإنسان الذي لأجله الإسلام، ومنه الإسلام، وإليه الإسلام، هذا الإسلام يريد أن يكون الإنسان إنسانًا لا يشعر بالفرح وهناك متعبون، كادحون، جائعون، فقراء. لا يريد الإسلام أن يرى المسلم ينام شبعانًا وجاره جائع، وكما يقول أمير المؤمنين (س): "أأقنع من نفسي أن يقال أمير المؤمنين، ولا أشاركهم في مكاره الدهر، أو أكون أسوة لهم في جشوبة العيش".
وهكذا، "ما آمن بالله واليوم الآخر من بات شبعانًا وجاره جائع"، هذا الإنسان الذي يتمكن أن يتجاهل جوع الجيران، وألم الأصدقاء، وعجز الفقراء، وحاجة المتعبين أمام عينه، وهو يكون مسرورًا فرحًا، مع أولاده وفي بيته، فهذا إنسان لا يرضى عنه الله. أما الذي يرضى عنه الله، أما الذي يعتبره مصلحًا، ناجحًا، سعيدًا، أما الذي يعتبره الإسلام إنسانًا، ﴿قد أفلح من تزكّى * وذكر اسم ربه فصلى﴾ [الأعلى، 14-15]، ولكن ﴿بل تؤثرون الحياة الدنيا * والآخرة خير وأبقى﴾ [الأعلى، 16-17]، حتى لأجلك، لأجل مصلحتك، يجب أن تفضل الآخرة على الدنيا.
فإذًا، سعادة الإنسان تتم حينما يكون أخوه مسرورًا معه، وجاره شبعانًا قبله، وصديقه مرتاحًا... قبل أن تكون أنت المرتاح. الإسلام يريد منا أن نشعر بأن جسدنا، ونفسنا أوسع من متر ونصف متر، يريد أن يرى فينا وجودًا واسعًا. تتألم إذا مرض صديقك، وتبرد إذا برد جارك، وتئن إذا جاع رحمك، هكذا يريد. يريد أن يوسع هذا الشعور ويعمق هذه الصلة، ويجعل منك إنسانًا أوسع حدًا، وأكثر وجودًا من جسد طوله متر ونصف، وعرضه نصف متر. ولهذا يفرض عليك في هذا اليوم، الزكاة. ولا شك، أنكم أديتم الزكاة قبل الصلاة. ولكن، هل ترى أن الواجب ينتهي بزكاة المال، وبدفع المال؟ أنا أعتقد أن زكاة المال تبرز وترمز إلى زكاتك في كل شيء.
فاليوم، أنت يا أخي، كما تقدم من مالك زكاة لجارك أو لعائلتك، أو للفقير أيضًا، قدِّم من صحتك، من فرحك، من تجربتك، من سلامتك، من رأيك أيضًا، زكاة للمحتاج. فما المانع أن تمد يديك لكي تصافح من قاطعته وهو بحاجة إليك من دون أن تحتاج أنت إليه؟ فهل هناك من مانع أن توجه غشيمًا؟ أو تعلم جاهلًا؟ أو تدخل السرور في قلب كئيب أو حزين؟ هذه أيضًا زكاة. وإنما زكاة تأتي من وراء هذا الرمز الذي هو زكاة المادة. بعبارة موجزة، يريد الإسلام منك أيها المسلم أن تضيء ليلة جارك المظلمة، قبل أن تضيء بيتك. ولهذا يقول لك: قبل أن تصلي وترجع إلى البيت، وتحتفل بأفراح العيد، زَكِّ. يريد لك أن تدخل السرور في بيت جارك قبل أن تدخله في نفسك. وهذا هو رمز الإسلام، وهذا هو معنى العيد، وهذه هي بركة العيد. فنسأل الله أن يكون هذا اليوم يومًا مباركًا ويومًا نقوم فيه بواجباتنا.
اللهم صلِّ على محمد وآل محمد، اللهم إنا نرغب إليك في دولة كريمة تعز بها الإسلام وأهله، وتذل بها النفاق وأهله، وتجعلنا فيها من الدعاة إلى طاعتك، والقادة إلى سبيلك، وترزقنا فيها كرامة الدنيا والآخرة. اللهم ما عرّفتنا من الحق فحملناه، وما قصرنا عنه فبلغناه. اللهم إلمم به شعثنا، واشعب به صدعنا، وارتق به فتقنا، وكثّر به قلتنا، واعزز به ذلتنا، واغنِ به عائلنا، وإقضِ به عن مغرمنا، وأجبر به فقرنا وسد به خلتنا، وبيّض به وجوهنا، وأنجح به طلبتنا، واستجب به دعوتنا، وانجز به مواعيدنا، وبلغنا به من الدنيا والآخرة آمالنا، وأعطنا به فوق رغبتنا، يا خير المسؤولين، وأوسع المعطين، إشفِ به صدورنا، وأذهب به غيظ قلوبنا، واهدنا به لما اختلف فيه من الحق بإذنك، إنك تهدي من تشاء إلى صراط مستقيم.
اللهم إنا نشكو إليك فقد نبينا، وغيبة وليِّنا، وكثرة عدونا، وقلة عددنا، وشدة الفتن بنا، وتظاهر الزمان علينا، فصلَّ على محمد وآل محمد، وأعنّا على ذلك بفتح منك تعجله، ونصر تعزه، وسلطان حق تظهره، ورحمةٍ منك تجللناها، وعافية منك تلبسناها، برحمتك يا أرحم الراحمين. اللهم أدخل على أهل القبور السرور، اللهم إغنِ كل فقير، اللهم أشبع كل جائع، اللهم إكسُ كل عريان، اللهم إقضِ دين كل مدين. اللهم فرِّج عن كل مكروب، اللهم ردَّ كل غريب، اللهم فكَّ كل أسير، اللهم أصلح كل فاسدٍ من أمور المسلمين، اللهم إشفِ كل مريض، اللهم سد فقرنا بغناك، اللهم غيّر سوء حالنا بحسن حالك، اللهم إقضِ عنا الدين, واغننا من الفقر، إنك على كل شيء قدير. اللهم طهر ألسنتنا، وقلوبنا، وأجسادنا، من معاصيك، ومما لا يرضيك، ونوّر قلوبنا بنور معرفتك وإيمانك. اللهم ارزقنا حج بيتك الحرام وزيارة قبر النبي، وقبور الأئمة (عليهم السلام)، وفي الآخرة شفاعتهم. اللهم إجعل كلمتنا هي العليا، وكلمة أعدائك هي السفلى. اللهم انصرنا في معركتنا. اللهم أعدْ علينا هذا اليوم، ونحن في عز ومجد، وقد مكنتنا من تحرير أرضنا، ومن إعادة بلادنا، ومن إعادة قبلتنا الثانية، ومن القضاء على أعدائك، يا أرحم الراحمين.
اللهم إنا لا نرضى بهذه الحياة أبدًا، ما دام ليس فيها كرامة، فأعد علينا كرامتنا. وألهمنا أسباب العودة إلى هذه الكرامة، يا أرحم الراحمين. اللهم إغفر لنا ولوالدينا، ولمن وجب حقه علينا، ولمن وصانا بالدعاء. اللهم إغفر لأمواتنا وارحمهم، وأموات الحاضرين، والفقيد، وأمواتنا الذين سبقونا بالإيمان، ووالدنا وروح سيدنا المقدس السيد عبد الحسين شرف الدين، ونبعث إلى أرواح الجميع ثواب الفاتحة.
والسلام عليكم.
