* تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف خلقه، وخاتم رسله محمد، وآله الطيبين الطاهرين.
وبعد،
فقد كان كلامنا في الأسابيع الماضية، حول حياة فاطمة الزهراء سيدة النساء (س). وقلنا أننا نتحدث فيها إلى أن يحين وقت ولادتها وهو يوم الـ20 من شهر جمادى الثانية.
ومن حسن الحظ أن حياة فاطمة الزهراء (س) فيها من الغنى الفكري والثروة الإنسانية، ما يسهّل مهمة المتكلم عنها مهما طال الزمن. يكفينا ما ورد في خطبتها الغراء التي ألقتها في المسجد وكانت حسب تعبير بعض الكتّاب محاكمة علنية يحاكم فيها رئيس الدولة. في مقدمة الكلمة، كما قرأنا منذ أسبوعين، بعد الحمد والصلاة تحاول فاطمة الزهراء (س) أن تكشف للناس لمن في المسجد ولمن يستمع في التاريخ، تريد أن تكشف لهم حقيقة الإسلام وروح الدين، وذلك حتى لا تتحول هذه الأعمال والعبادات والطقوس عند المسلمين، بصور وأشكال وعادات لا محتوى لها ولا نتيجة لها.
الإنسان المسلم وكل إنسان يسلك سبيل الحق، أمامه مزالق وانحرافات كثيرة. ودائمًا الحق وطريق الحق واحد، ولكن طرق الباطل كثيرة. الآن تصور أن الإنسان يريد أن يسافر إلى مكان ما، يمشي في طريق واحد... ولكن من كل زاوية من زوايا هذا الطريق ممكن ينحرف... إذا انحرف يضل ويبتعد عن الغاية وعن المقصود. وهكذا طريق الحق أمامه مزالق، والسالك فيه بإمكان الشيطان أن يضله وأن ينحرف.
الإنسان المسلم أمام العبادات، بين خطرين؛ الخطر الأول أن يترك العبادات. لا يصلي، لا يصوم كسلًا أو تكاسلًا أو جهلًا، وربما عن تفكير، عن فكرة منحرفة نتيجة للهوى. فتسمع البعض يقولون مالنا ولهذه الأشكال والظواهر، يكفينا أن تكون قلوبنا نظيفة ونوايانا حسنة ولا نحتاج حينئذ إلى الصلوات أو الصيام أو غير ذلك. انحراف من هذا الجانب والانحراف من جانب آخر، أن الإنسان يمارس الصلاة والصيام ولكن ليس لصلاته وصيامه معنى، صلاته وصيامه وحجه لا يؤثر كل منها في قلبه، في خلقه، في إيمانه. يقول أمير المؤمنين (س) في بعض كلماته: رب صائم ليس له من صيامه إلا الجوع والعطش.
على هذا المقياس، رب مصلي ليس له من صلاته إلا التعب وإلا إتلاف الوقت. وعلى هذا الأساس، رب حاج ليس له من حجه إلا صرف المال والمشقة.
متى يكون هذا الخطر، الخطر كبير كبير وأمام أعيننا. لو كانت الصلوات التي نصليها نحن هي الصلوات التي يريدها الله، لماذا لا تعمل عملها؟
اليوم الحكيم يكتب لك (روشيته)، وصفة، دواء فتشتري هذا الدواء ترى أنه ما أثّر في معدتك. مرة تشك في إختصاص الطبيب ومرة تعرف أن الحكيم ليس خبيرًا. إذا ما أثّر الدواء فيك، ماذا تقول؟ تقول أن هذا الدواء مزيف... الدواء غير سليم، القرآن الكريم وصف لعباده هذه الأعمال لنتائج ولغايات؛ فيقول: ﴿الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت، 45]. أيها الناس المبتلون بالفحشاء والمنكر، هل تريدون وصفة، (روشيته)، وسيلة، حتى تتخلصوا من الفحشاء والمنكر؟ عليكم بالصلاة.
﴿الصلاة تنهى عن الفحشاء والمنكر﴾ [العنكبوت، 45]. نحن نمارس الصلاة سنة أو سنتين أو ثلاثة أو عشرة أو عشرين، ونرى أن صلاتنا لم تنهانا عن الفحشاء والمنكر، هل يجب لا سمح الله أن نشك في حكمة الخالق؟ أعوذ بالله.
فإذًا، نشك في نوع الوصفة، في جنس الدواء، بأن هذه الوصفة التي نحن نمارسها ليست هي الوصفة التي أرادها الله ورسوله. هذه الصلاة ليست صحيحة. العيب أين وكيف! يجب أن نفكر، يجب أن نفكر.
فاطمة الزهراء تجد نفسها أمام أمة فقدت راعيها، مات نبي هذه الأمة وقائد الأمة. والذي كان النبي يثق فيه وكان يقول: والله لو وليتم هذا -مشيرًا إلى علي- والله لو وليتم هذا لأخذكم إلى المحجة البيضاء لم يأخذوه... هجروه.
فإذًا، الأمة أصبحت بلا راعٍ. تريد فاطمة الزهراء أن تذكرهم، أنه يا جماعة لا تقولوا نحن أصبحنا مسلمين والحمد لله وانتهينا من الخطر، أنتم في خطر عظيم، لا تقولوا نحن نحافظ على تراث محمد، نصلي ونصوم وهذا مسجدنا مليء بالمصلين. لا، أنتم مخطئين. الصلاة لها آثار ونتائج، الصيام له آثار ومفعول وأثر، الحج، الزكاة، وكل شيء من أعمال الإسلام ومن واجبات الإسلام له حِكَم ومصالح. إذا بحثتم ووجدتم أنكم تصلون... فاطمة تقول: يا جماعة المصلين أنتم تصلون، ومع ذلك متكبرين؛ أنتم تصومون ومع ذلك لا تتمكنون من أن تجعلوا على هوى أنفسكم وأنانيتكم رادع أو حد!
أنتم تمارسون العبادات ولا تنهاكم العبادات عن الفحشاء والمنكر! فهذا أمر لا يكون. فإذًا، أنظروا إلى أنفسكم وانظروا إلى دينكم، لماذا كلّفكم الله بهذه العبادات؟
كما قلنا في الأسبوع الماضي، الصلاة شأن العبد، عبد من، عبد الله. الصلاة من شروطها الإخلاص. لو دخل في صلاتك أدنى ريب، لو دخل الرياء في عملك، في أصل العمل وشروطه وأجزائه وشؤونه، العبادة باطلة، لماذا؟ لأن الله سبحانه وتعالى يريد بصلاتك أن يدربك دقائق، ولو دقائق، خطوة خطوة. الإنسان الذي يريد أن يتعلم السباحة، أولًا يتعلم في مكان صغير، الإنسان الذي يريد أن يمارس رياضة، يمارس الرياضة بشكل خفيف في بادئ الأمر. يريد الله من خلال خمس دقائق فقط، وقت الصلاة، أنك في هذه الأعمال لا تنطلق إلا بأمر الله، ولا تعبد إلا الله، ولا تتوجه إلا إلى الله. فيقول لك أنك في هذه الركعات القليلة 17 ركعة في كل 24 ساعة، في خلال هذه النصف ساعة -التي تأخذ من الوقت- إذا في خلال هذه الأعمال إكرامًا لشخص ما صليت، أو إكرامًا للجاه أو المال صليت، أو لكسب الجاه والوجاهة وكسب ثقة الناس صليت، أو لأجل أولادك صليت، لأي سبب صليت! في هذه الفترة صلاتك باطلة.
لماذا؟ حتى في خلال هذه الدقائق يدربنا على الإخلاص في العمل، حتى نتهيأ ونتمكن بعد التدريب على الصلاة، أن نعبد الله دون سواه وأن ننطلق من إرادته ولا نتأثر بأهوائنا وأنانيتنا وأموالنا ونسائنا وأولادنا. يكون إلهنا الله، لا إلهنا يكون هوانا. الصلاة تقطع -أرجو الانتباه- الصلاة تقطع على الإنسان في هذه الفترة القصيرة تأثير ما عدا الله، فيتعلم الإنسان كيف لا يرد على غير الله ولا يخضع لغير الله، والصلاة تكريس لعبادة الله، فالله يقول لي: قف أقف، إركع أركع، أُذكر أذكر، إقرأ أقرأ، إسجد أسجد، كما يقول من دون زيادة ولا نقصان. لعلكم منتبهين بأن العبادات لا تقبل التغيير ولا التطور، لا تقبل الزيادة والنقصان.
الآن، أنت لك حق مثلًا أن تقول صلاة الصبح ركعتان، (لا يؤثر) إذا زدنا قليلًا على صلاة الصبح! فالصلاة شيء جيد، فلنصلي خمس ركعات، ممكن؟ لا. نقول لك الركوع والسجود شيء جيد... بدل أن نركع ركوع واحد فلنركع ركوعين أو ثلاث سجدات أو اثنين قنوت أو خمسة تشهدات أو نصلي صلاة الظهر خمس ركعات أو سبع ركعات، ممكن؟ أو يقول لك نغيّر الآذان، أو يقول لك أنا في السفر... لست متعبًا أريد أن أصلي في السفر بدل ركعتين أربع ركعات مثل الحضر، معقول؟ لا.
لماذا ليس معقولًا؟ لأن الصلاة تدريب وتكريس لعبادة الله، الإطاعة المطلقة، الإطاعة من دون زيادة ولا نقيصة، الإطاعة من دون أن تتصرف أنت من عند نفسك أو من رغبتك حتى إذا كانت رغبتك رغبة حسنة، ليس لك الحق بأن تتصرف لماذا؟ حتى تتدرب وتتمرن بخلال هذه الدقائق على الإطاعة المطلقة، حتى عبودية الله تتكرس وتنمو، لأنك إذا مارست مفعول العبودية، العبودية تنمو وتزدهر في قلبك، وما هي النتيجة؟ أنت إذا شعرت بأنك عبد الله انتهت مشكلتك، ارتحت، لماذا؟ لأنك عبد الله. فإذًا، لا تعبد سوى الله. فإذًا، لا تخضع لكبير أو صغير ولا لمال ولا لشهوة ولا لإغراء ولا لطمع ولا لأولاد ولا لأي شيء.
كما أوضحناه في الأسبوع الماضي، أنت عبد الله يعني تتحرك بأمر الله، يدك تتحرك حينما يحركها الله، ولسانك يتحرك حينما يحركه الله، وهكذا كل شيء.
وإذا أنا شعرت بأن جوارحي وأعمالي ولساني وقلبي وسيري وحياتي كلها متحركة من الله سبحانه وتعالى أشعر بقوة. الآن بيننا وبين أنفسنا أذكر لك مثلًا صغيرًا؛ أنت قد تراجع شخصًا وتكلفه بعمل، تشعر بضعف؛ ولكن إذا عندك رسالة شفهية أو خطية من شخص كبير كبير، أكبر من الشخص الذي أخذت له الرسالة ألا تشعر بقوة؟ الآن مثلًا ومن باب المثل ولا مناقشة في الاصطلاح، إذا عندك رسالة مثلًا، من رئيس الجمهورية وتريد أن تراجع مثلًا المحامي أو القائمقام أو الضابط أو كذا. ألا تشعر بقوة عندما تذهب؟ أنه أنت آتٍ من قبله، هذا مثال مادي والله سبحانه وتعالى منزّه عن الأشباه والأمثال.
الإنسان الذي نتيجة للصلاة أصبح عبدًا لله بالمعنى الصحيح، ماذا يعني هذا؟ يعني أنا لا أملك شيئًا، لا أملك لنفسي نفعًا ولا ضرًا ولا موتًا ولا حياةً ولا نشورًا. أنا لا أعمل شيء، بسم الله أعمل ولهذا كل عمل ذي بال ابدأه ببسم الله، أقول بسم الله الرحمن الرحيم.
يعني أنا الأعمال التي أقوم بها، هذه الخطوات التي أسلك، هذا المشي الذي أمشيه، هذه السيرة التي أسير بها، الله أمرني وأنا أمشي في هذا الخط. فإذًا، أنت تحمل قوة الله من وراء ظهرك، أنت تحمل ثقتك بالله، أنت تمثل الله، وهل يد أقوى من يد الله؟
المثال المعروف قرأناه أكثر من مرة أمير المؤمنين (س) في واقعة الخندق في حرب...