* تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر، (د.ت).
بسم الله الرحمن الرحيم
﴿وإلى مدين أخاهم شعيبًا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم فأوفوا الكيل والميزان ولا تبخسوا الناس أشياءهم ولا تُفسدوا في الأرض بعد إصلاحها ذلكم خير لكم إن كنتم مؤمنين* ولا تقعدوا بكل صراط توعدون وتصدون عن سبيل الله مَن آمن به وتبغونها عوجًا واذكروا إذ كنتم قليلًا فكثّركم وانظروا كيف كان عاقبة المفسدين* وإن كان طائفة منكم آمنوا بالذي أُرسلت به وطائفة لم يؤمنوا فاصبروا حتى يحكم الله بيننا وهو خير الحاكمين* قال الملأ الذين استكبروا من قومه لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودنّ في ملتنا قال أولو كنا كارهين* قد افترينا على الله كذبًا إن عدنا في ملتكم بعد إذ نجانا الله منها وما يكون لنا أن نعود فيها إلا أن يشاء الله ربنا وسع ربنا كل شيء علمًا على الله توكلنا ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين* وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لخاسرون* فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين * الذين كذبوا شعيبًا كأن لم يغنَوا فيها الذين كذبوا شعيبًا كانوا هم الخاسرين* فتولى عنهم وقال يا قوم لقد أبلغتكم رسالات ربي ونصحت لكم فكيف آسى على قوم كافرين﴾ [الأعراف، 85 - 93].
هذه الآيات تنقل الحوار الذي جرى بين نبي الله "شعيب" وبين قومه، أو بين الملأ من قومه. ومن الطبيعي أن القرآن، بوصفه كتاب دين، يهتم بالتربية، وعندما ينقل حادثة أو حوارًا أو واقعة لا يقصد قصة أو تسلية، بل إنما يقصد مفهوم الحكاية، ونتائج هذه الحادثة بمفهومها الشامل. ولذلك، فالحادثة يجب أن تُدرس بمفهوم أوسع من الاعتبارات الخاصة بالحادثة. وتطبق على حياتنا العادية، على حياتنا الاجتماعية، على أوضاعنا الاجتماعية دائمًا.
بالنسبة لـ"شعيب"، كما يؤكد القرآن الكريم أنه كان نبيًا، وأرسل إلى مدين، ودعا إلى الله وقال: ﴿يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره﴾ عبادة الله وحده، والتنكر للآلهة. والإله في المصطلح القرآني عبارة عن قدس الأقداس، الدافع الأصيل للإنسان، كما يُفهم من نص آية أخرى عندما يقول القرآن: ﴿أفرأيت من اتخذ إلهه هواه وأضله الله على علم﴾ [الجاثية، 23]، الذي يتخذ إلهه هواه، لا يعني أنه يصلي لأجل هواه، بل إن هواه وأنانيته هي التي تحركه وتكون قدس الأقداس، وسبب الأسباب لنشاطاته. ينطلق الإنسان دائمًا من مبدأ، هذا المبدأ الأصيل، هو في المصطلح القرآني، إله.
يطلب القرآن الكريم أن يكون قدس أقداسنا هو الله الواجب الذي يجمع جميع صفات الكمال. فعندما يكون الله وحده دافعنا، فهو دافعنا نحو الكمال، وموحدنا في نفس الوقت. وقد تحدثنا في بعض الحلقات السابقة أن إطاعة الله تخرجنا من الظلمات إلى النور.
و"شعيب" أيضًا، طلب من الناس أن يتنكروا لآلهة الأرض، لا أن يتجاهلوا وجود عواطف ومشاعر وحاجات لا يعتبرونها آلهة، بل وسائل لمعالجة الحاجات. فالمال، أو الجاه، أو العمل خير ونعمة، ولكنه ليس إلهًا يُعبد من دون الله.
كان "شعيب" يطلب التنكر لآلهة الأرض، للظالمين، للطغاة، لآلهة المال، لآلهة الشهوات. وكان يؤكد أيضًا على العدالة في الكيل والميزان، وعدم بخس الناس أشياءهم. المشكلة أن الإنسان يجعل لكل شخص كيلًا وميزانًا. فالإنسان يكيل ويوزن عمل نفسه بميزان، وعمل أصدقائه وأرحامه وجماعته بميزان آخر. ويكيل عمل الآخرين، المحايدين أو الخصوم، بميزان آخر. وهنا يختل التوازن، وينحاز الإنسان، ويبتعد عن الحق. بينما يجب أن يكيل الإنسان كل شيء بميزان واحد. فالحق واحد، والعدل واحد، لا يختلف عند صديق أو عدو، عند الذات وعند الآخرين.
وماذا كان مصير "شعيب" عندما كان يدعو الناس إلى عبادة الله، وإلى الوفاء بالكيل وإلى عدم الإفساد في الأرض؟
الناس، أو على حد تعبير القرآن، القوم، كانوا مطمئنين لهذا الطلب، وكانوا مسرورين بهذه الدعوة. ولكن المنتفعين، أو على حد تعبير القرآن الكريم الملأ المستأثرين، هؤلاء وجدوا في دعوة "شعيب" خطرًا على مصالحهم وعلى منافعهم لأنهم، أي المستأثرين، يصطادون في الماء العكر؛ يستفيدون من الإنحياز، يستفيدون من عدم تطبيق القوانين على الجميع. يربحون من التفاوت بين الناس والتصنيف للناس. لذلك، عبادة الله الواحد، ووحدة الكيل والميزان، تضرّان الملأ المحتكرين، المستأثرين، المستعمرين، المسيطرين على الناس، أو على حد تعبير القرآن المستضعِفين للناس.
هؤلاء وجدوا أن مصالحهم في خطر. كيف يعالجون مشكلة "شعيب"، قالوا له: ﴿لنخرجنك يا شعيب والذين آمنوا معك من قريتنا أو لتعودن في ملتنا﴾. استعانوا بالعادة، استعانوا بقوة الاستمرار، استعانوا بتمسك الإنسان بما ورثه من السابقين. مع العلم أن "شعيبًا" كان يدعو لخير الناس، ولكنهم لم يريدوا ذلك، بل أرادوا التمسك بما كان موجودًا من قبل، حتى يستمروا في استثمارهم وطغيانهم على الناس.
رد "شعيب" كان على هذا الاحتجاج، وهذا الطلب – أيضًا – الاستمرار بالدعوة، وطلب من الله بقوله: ﴿ربنا افتح بيننا وبين قومنا بالحق وأنت خير الفاتحين﴾. طلب من الله سبحانه وتعالى أن يساعده على فتح أعين القوم، أي الشعب، لكي يعرفوا أن دعوة "شعيب"، هي من مصلحتهم. وأن دعوة الملأ، دعوة النخبة المستأثرة، المستفيدة من الوضع الحاضر، ليست مصلحة الناس، بل هي مصلحتهم أنفسهم.
ولذلك، أصروا مؤكدين على "شعيب" ﴿وقال الملأ الذين كفروا من قومه لئن اتبعتم شعيبًا إنكم إذًا لخاسرون﴾. ولكن الخاسر الحقيقي هم، لا الناس. فالناس كانوا يربحون من دعوة "شعيب". والنتيجة أن الله سبحانه وتعالى يضيف قائلًا: ﴿فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين﴾.
من الطبيعي أن الناس إذا لم يسمعوا لدعوة المصلحين، لدعوة الناس الذين يدقون ناقوس الخطر، ويؤكدون على أخطار الاستمرار في التجاهل لمصالح الناس، والسكوت على مصالح المستأثرين، بالنتيجة انفجار المجتمع؛ وهكذا حصل لدى قوم "شعيب".
من هذه الحادثة نجد أن كل مصلح أمامه هذا الحوار المضني بصورة أو بأخرى، فهناك بعض الأحيان يستعمل الكلام، أو الاتهام، أو الضغوط الأخرى، أو الإخراج، أو العنف بالنسبة إلى الدعاة المصلحين، ولا علاج إلا إذا فتح الله بينهم وبين قومهم بالحق، فيفتح عيونهم وعقولهم، لكي يحسوا مصالحهم ومنافعهم. عند ذلك، فهم الرابحون، والملأ هم الخاسرون، أي المستأثرون هم الذين يخسرون المعركة بالنتيجة.
على هذا الأساس، فكل دعوة لخدمة الناس لا لخدمة الملأ، تصطدم بمصالح الملأ. فالملأ يدافعون عن مصالحهم، والناس يسكتون. أما إذا وقف الناس مع الدعوة الصالحة، فالخير لهم وللدعوة، وللملأ بالنتيجة. هذه هي الحقيقة التي يعبر عنها القرآن الكريم، بصورة أو بأخرى، والتي تتلخص في نهاية هذه الآيات بالقول المعجز: ﴿ولو أن أهل القرى آمنوا واتقوا لفتحنا عليهم بركات من السماء والأرض﴾ [الأعراف، 96].
ففي الإيمان والتقوى، فتح لبركات معنوية، من علم وتقوى، وراحة وطمأنينة. وبركات الأرض، أي خير المال، ونشاط في التجارة، واتساع في الأمن، وازدهار في البلد. ولكن عندما يكذبون: ﴿ولكن كذبوا فأخذناهم بما كانوا يكسبون﴾ [الأعراف، 96]. فالله سبحانه وتعالى لا يعذب انتقامًا من الناس، بل أعمال الناس هي التي تؤدي إلى النتائج السيئة التي يعانيها الناس. فما من حالة مزعجة وسير سيئ، وأوضاع اجتماعية متدهورة، إلا وهي نتيجة عمل الناس. كما يؤكد ذلك القرآن الكريم، في آيات متعددة وفي مواضع عديدة، مؤكدًا أن المسؤولية لتدهور الأوضاع على الملأ المستأثر، وعلى الشعب، أو القوم الساكت، والذي لا يفتح عينه لمعرفة حقيقة مصالحه.
نسأل الله أن لا نكون نحن من جملة مَن ينطبق عليهم هذا الحوار.
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته.