قولوا لا إله إلا الله: المحاضرة الأولى

الرئيسية صوتيات التفاصيل
calendar icon 08 تموز 1971 المؤلف: موسى الصدر

[...] بدرس الدعوة المحمدية العامة التي بدأت بكلمة: قولوا لا إله إلا الله تفلحوا، وشرحنا موضوع قولوا وماذا يقصد النبي الكريم بكلمة قولوا؟ [...] في بحثنا عن الإسلام الواحد وليس الإسلام المتعدد، الإسلام شيء واحد، أي بحث عقيدي ينعكس على مختلف شؤون الإنسان.
فأولًا: لماذا لا إله إلا الله؟
اسمحوا لي أن أبحث بصورة خاطفة هذا البحث العقيدي، كيف نثبت نحن الإله الواحد؟ بأي دليل؟
هذا البحث العقيدي أو الكلامي أو الفلسفي سمِّه ما شئت لا بد منه في بداية هذا البحث، مع العلم أن البحث عن التوحيد، يعني لا إله إلا الله غير البحث عن إيجاد ووجود الله، هناك بحث: هل الله موجود؟ وبحث آخر: هل الله واحد؟
البحث الأول، يعني إثبات وجود الله، الإسلام لا يكلِّف نفسه في إثبات الله بل القرآن الكريم يقول: ﴿أفي الله شك فاطر السماوات والأرض﴾ [إبراهيم، 10] يعني ليس في الله شك، والذين يُنكرون الله يُنكرون البِداهة والوضوح؛ ولذلك، أنا أكتفي بكلمة موجزة جدًّا لأجل إثبات الله، وننتقل إلى إثبات التوحيد الذي هو البحث المقصود في ليلنا هذا.
الله موجود، لماذا؟
أذكر لكم مثلًا صغيرًا، هل شاهدتم المطبعة؟ المطبعة يعني المكان الذي يطبعون فيه الجرائد والصحف والكتب والبيانات. إذا لاحظتم في المطبعة، أمام الشباب الذين يَصفُّون الحروف ويضعون الحروف بعضها إلى جانب بعض، -طبعًا ليس في المطابع الأوتوماتيكية- في المطابع التقليدية القائمة عندنا أمامهم قطعة من الخشب مؤلفة من أربعين خمسين خانًا صغيرًا، أربعين خمسين علبة، في كل علبة موجود حرف واحد. مثلًا في علبة صغيرة موجود حرف الألف، أي ألف؟ الألف المفصولة، وفي علبة إلى جوارها موجود الألف الأخيرة؛ مثلًا (ما) الألف المتصلة بما قبلها هي غير الألف المفصولة، ثم تأتي علبة ثالثة موجود فيها حرف الباء المفصولة، وفي علبة أخرى الباء الوسطى يعني مثلًا العباء، باء عباء غير باء مثلًا رب وهكذا... تقريبًا خمسون علبة قرب بعض، في كل علبة موجود حرف من الحروف، وبعض العلب فيه فواصل بين حرف وحرف، بين كلمة وكلمة، وهكذا.
طبعًا الذي يصفُّ الحروف يجب أن يتمكن من القراءة والكتابة، فإذا قالوا له صُفْ كلمة أحمد يأخذ رأسًا الألف المفصولة، الحاء الأولى، الميم الوسطى، الدال الآخرة، يحطها قرب بعض، ويحط بين الألف المفصولة والحاء الأولى فاصل حتى لا ينعكس على الطباعة؛ حتمًا رأيتم هذا الشيء أظنه واضحًا عند الغالبية.
طيب، لو افترضنا أن شابًا أميًا، لا يعرف الحروف إطلاقًا، وقف في المطبعة لكي يصف كلمة أحمد، هل يقدر على ذلك أو لا؟ أنتم فورًا تقولون لا يقدر على ذلك. ولكن، نحن نعتمد الاحتمالات والحظوظ والصدف، نقول ربما على قبيل الصدفة تمكن أن يصف كلمة أحمد. حسب حساب الاحتمالات، هل هذا محتمل أم لا؟ نعمل حسابًا، اليوم كل شيء له قوانين.
أمام هذا الرجل خمسون علبة وهو أُمي، يمد يده لكي يُخرِج حرف الألف وهو لا يعرف الألف، ممكن يُخرِج حرف الألف، ممكن يُخرِج حرف الصاد، ممكن يُخرِج الفاصل، ممكن يُخرِج الباء، ممكن يُخرِج كل شيء. احتمال خروج الألف من باب الصدفة كم في المئة؟ اثنان في المئة طبعًا، أليس كذلك؟ باعتبار أن هناك خمسين خانًا، خمسين علبة، هناك احتمال أن تخرج الألف اثنين في المئة، يعني واحد على خمسين، صحيح؟ اثنان في المئة.
حسنًا! افترضنا أن الصدف والحظ مثلما يقولون ساعدا هذا الرجل، فأخرج حرف الألف من هذه العلب؛ الثاني يجب أن يكون الفاصل، كذلك احتمال خروج الفاصل واحد على خمسين، يعني اثنين في المئة، هنا يأتي حساب دقيق أكثر بأن يخرج أولًا حرف الألف وثانيًا الفاصل، يجب أن نعمل حسابًا: اثنان على مئة في اثنين على مئة، لأنه مع كل احتمال لخروج الألف هناك خمسون احتمال.
فإذًا، احتمال خروج الألف ثم الفاصل، يصير أربعة على عشرة آلاف، صحيح؟ يعني احتمال أن يساعد الحظ هذا الرجل الأُمي فيُخْرِج الألف أولًا والفاصل ثانيًا، بين عشرة آلاف احتمال، أربعة احتمالات. مد يده ثالث مرة أيضًا، الحظ ساعده فخرجت الحاء الأولى، كم في المئة تصير النسبة؟ أيضًا اثنان في المئة مضروبة بأربعة، بالعشرة آلاف يصير ثمانية على مليون. الميم الوسطى ستة عشر على مئة مليون، الدال الآخرة اثنان وثلاثين على مليار، صحيح؟
هنا نقف لحظة، الأُمي دخل المطبعة، فأراد أن يطبع كلمة أحمد، ممكن؛ بأي نسبة ممكن؟ بنسبة اثنين وثلاثين على مليار، يعني هناك مليار احتمال، اثنان وثلاثون احتمالًا يعني لا شيء. نحن في حياتنا لا نعتمد على الاحتمالات واحد على مئة، لا نعتمد على احتمالات خمسة في المئة، نعتمد على احتمال ثلاثين على مليار، يعني من مليار حالة هناك حالة؟ لا يمكن. ولذلك، إذا قال شخص: أنا الأُمي صففتُ هذه الكلمة، نقول له فورًا أن هذا كذب غير صحيح، يعني احتمال اثنين وثلاثين على مليار احتمال، هذا لا شيء.
فإذًا، الذي يقول أنا أُمي وصففتُ كلمة أحمد هذا كاذب في منطقنا، مع أنه احتمال اثنين وثلاثين على مليار موجود. هذا في من يريد أن يدعي صف كلمة أحمد. فإذا جاء شخص أُمي قال أنا صففتُ هذا السطر كله: جاء أحمد من المدرسة إلى البيت وتغدى ونام، هل من عاقل يحتمل أن يصف الأُمي هذا السطر!
إذا قال لك أحدهم أنا هذه الصفحة كلها صففتها وأنا أُمي، نقول له هذا مستحيل لأن الاحتمالات تصير واحد، اثنين، ثلاثين مثلًا على مليار مليار، يعني مليار مضروب في مليار أو أكثر. إذا جاء أحد قال لك هذا الكتاب أنا كله صففته وهو أُمي، ما الاحتمال؟ لا شيء، صحيح؟
هذا السخف، يعني من يدعي أن الصدف ساعدت الأُمي فطبع كتابًا واحدًا، هذا السخف أقل من الذي يقول: الصدف خلقت قطرة من الماء، الصدف خلقت قطرة من الماء، لماذا؟ لأنكم تعرفون أن الماء مؤلف من عنصرين: أوكسجين جزء واحد، وهيدروجين جزأين، يعني احتمالات تركيب جزء واحد أوكسجين مع جزأين من هيدروجين احتمالات ضعيفة، لماذا؟ كم عندنا من العناصر؟ نحن من زمان، أيام كنا طلابًا في المدرسة كان 104، لا أعرف الآن كم، الشباب الذين يدرسون يعرفون أكثر، نعم؟
الحضور: 112
112 صار، ثمانية عناصر ازدادت. حسنًا! وهناك عناصر كثيرة مجهولة بعد سوف تُكتشف. نفترض أن العناصر 112، احتمال خروج أوكسجين واحد على مئة وستة عشر، اثنا عشر، واحتمال خروج هيدروجين واحد على 112؛ وأوكسجين وهيدروجين غير معقول يتركبان، ويجب أن يكون جزءًا واحدًا من أوكسجين وجزأين من هيدروجين، أيضًا الاحتمالات تضعف؛ ثم جزآن من هيدروجين وجزء من أوكسجين لا يتركبا في حالة عادية، يجب أن يكون هناك ضغط معين وحرارة معينة كما تعرفون، يعني يجب أن يكون هناك مثلما يقولون شرارة أو شيء من هذا النوع من أجل التركيب. احتمال حدوث هذه الظروف من باب الصدف لأجل خلق قطرة من الماء احتمال سخيف، العاقل لا يحتمله، فكيف بمياه البحر كلها؟ وكيف بالأرض؟ وكيف بالنبات؟ وكيف بالحيوان؟ وكيف بالإنسان؟ وكيف بالخلية الواحدة؟ كيف بالنطفة؟ كيف بذرة من الذرات التي تحمل مزايا الأب والأم وتشكل الطفل؟
أنتم تعرفون أن الطفل يتكون من جزء من الأب وجزء من الأم Sperme وماذا يسمون الثاني: بويضة؟ نعم، يتركبان فيشكلان النطفة، هذه النطفة في داخلها، هذه النطفة ما عدا الغطاء القشر، والمواد [المحيطة] والنواة. موجود في المواد ذرات صغار جدًّا يسمونها الـGène؛ هذا الـGène هو الذي يحمل ميزات وصفات الأب والأم وتنقل إلى الطفل. فابن الإنسان يصير إنسانًا لا يصير صدفةً حيوانًا، طفل الكلب يصير كلبًا لا يصير صدفةً حمارًا، لماذا لا يصير؟ لوجود هذه الجينات التي لصغرها... أتعرف كم هو الـGène؟ الـGène إذا كبرناه خمسمئة ألف مرة يُرى بالعين المجردة، الـGène في العالم كله إذا جمعناه لا يتجاوز سنتيمترًا مكعبًا.
هذا الـGène الصغير يحمل في طياته مزايا وصفات الأب والأم، ترى أن الطفل يشبه أباه، الإخوة يشبهون بعضهم، هذا الشبه من أين جاء؟ ممكن الطفل أكل وشرب وترعرع في بلد آخر، وأخوه ترعرع في بلد ثانٍ، هناك شبه محفور بينهم؛ ليس من الأكل ولا من الشرب ولا من البيئة، من الـGène الصغير الموجود بينهم.
كيف هذا الـGène يحمل الميزات والأوصاف الجسمية حتى الأوصاف الروحية، هناك شبه بين الأب والابن، بين الأب والأم، بين الابن والأم، بين الابن والأب... هناك شبه واضح في الصفات في الأخلاق، في الكرم، في التهذيب، في الحنجرة، في نوعية الصوت في كل هذه المسائل. هل هناك أحد يحتمل أن الـGène خُلِقَ على سبيل الصدفة؟ أغرب مما إذا قال أُمي إني ألفتُ كتابًا وطبعتُ كتابًا بأجمعه.
الإنسان من هنا يطلع يروح إلى بيته يجد أن ثلاث حجارة مكومة قدام باب بيته، لا يحتمل أن هذه الحجارة من باب الصدفة وقعت هنا... يقول حتمًا هناك طفل...، مع أن احتمال الصدفة موجود لكن ضعيف جدًّا يعني واحد على ألف، فكيف بهذا الخلق المنظم!
ولذلك، القرآن الكريم حينما يصل إلى قضية إثبات الله، لا يُثبت ولا يستدل على وجود الله لكن يقول: ﴿أفي الله شك فاطر السموات والأرض﴾ [إبراهيم، 10]، لا يوجد شك، خَلْقٌ يدل على الخالق بوضوح.
أما البحث في هذه الليلة فحول التوحيد، هل الله واحد أو أكثر؟ هذا الجانب العقيدي من بحثنا.
الأبحاث التوحيدية في علم الكلام وفي علم الفلسفة وفي علم العقائد أنواع وأشكال؛ أنا لا أحاول أن أوسِّع هذا البحث، أعتمد على الأسلوب القرآني، وأُفضِّل دليلًا يقنع العقل والقلب والجسم أيضًا. بنفس الوقت الدليل الملموس المحسوس لوحدة الله، والدليل على وحدة الله هو وحدة الخلق. إذا لاحظت الخلق بأجمعه ترى أن في الكون كله قوانين وأنظمة واحدة، أسباب ومسببات واحدة، علل ومعلولات واحدة، وحدة الكون هي أساس تشكيل العلوم، إذا ما كان الكون واحدًا العلم ما كان يتم.
أنتم تعرفون أنه اليوم يجيء عالم يُجرِّب في مختبره شيئًا، مثلًا يرى أن الحديد يتمدد بالحرارة، يستخرج منه قانونًا ويقول كل حديد يتمدد بالحرارة، لماذا؟ لأن الكون واحد. أينما ذهبت بشروط واحدة تجد نتائج واحدة، قوانين الكون من شرق العالم، لغرب العالم، لشمال العالم، لجنوب العالم واحدة؛ ولذلك، المكتشفات العلمية كلها متشابهة.
أكثر من هذا قوانين الكون واحدة هنا وهناك، الذين يبعثون الصاروخ إلى القمر ويرسلون الأقمار الاصطناعية إلى الفضاء، تجاربهم حسب القوانين الطبيعية التي بأيديهم، ويكتشفون العوامل الموجودة هناك وعلى ضوء هذه العوامل يستخرجون النتائج.
الأزل، كلما تقدمَتْ والحال والأبد، يعني الماضي والحاضر والمستقبل واحد. وحدة الكون ووحدة قوانين الكون تدل على وحدة الخالق، لو كان هناك أكثر من خالق للكون، نوع خلقِ كل خالقٍ كان يختلف عن نوع خلقِ خالقٍ آخر، إذا كانا بالفعل اثنين.
هذا دليل بسيط واضح، ولكن إلى حدٍّ كبير مقنع، واليوم علماء الآثار عندما يجدون آثارًا متشابهة في مناطق مختلفة يقولون إن الحضارة واحدة -الحضارة التي أنتجت هذه الآثار- هذا دليل أول.
الدليل الثاني، هو ترابط الكون، الكون من الشرق إلى الغرب، ومن السماء إلى الأرض، ومن الماضي إلى الحال إلى المستقبل مترابط بعضه ببعض يعني الكون يشكل شيئًا واحدًا، هذا غير البحث الأول؛ البحث الأول أن القوانين واحدة والذي يتحكم في الكون واحد، هذا الدليل يتبنى وحدة العالم الحقيقية، يعني العالم مرتبط بعضه ببعض.
أذكر لكم بعض الأمثلة: نحن حينما تُشرق الشمس فتدخل الغرفة من نافذة، وتشكل خيطًا من النور، أترون خيط النور في الغرف؟ شيء واضح، إذا لاحظت خيط النور، تجد أن داخل هذا الخيط ذرات صغار تطلع وتنزل، أليس كذلك؟ لماذا هذه الذرات تطلع وتنزل؟ بلا سبب؟ لا يوجد شيء في العالم بلا سبب. هناك هواء، الهواء يُحرك هذه الذرات ويطلعها وينزلها، لماذا الهواء موجود؟ نتيجة لاختلاف درجة الحرارة في منطقتين متجاورتين. تعرفون أنتم النسيم، الهواء، الرياح، العواصف تتشكل نتيجة لمنطقتين؛ هنا المنطقة حارة، الضغط فيها يصير خفيفًا، الهواء الحار يطلع، الهواء البارد المجاور لهذه المنطقة يرقد حتى يملأ محل هذا الهواء فيصير الهواء أو النسيم، منطقتان متجاورتان حرارتهما تختلف أو بالمصطلح الحديث ضغطهما يختلف فيصير الهواء.
فإذًا، سبب الهواء الذي يُحرِّك هذه الذرة، اختلاف درجة الحرارة في منطقتين متجاورتين. لماذا درجة الحرارة تختلف؟ تخضع لعوامل عديدة منها نور الشمس، منها النار، منها وجود الإنسان والحرارة التي تطلع من جسم الإنسان، منها الوسائل الاصطناعية مثل الموتورات والسيارات والمكائن والمصانع، ومنها أمثال ذلك. قرب البحر، بعد البحر، الجبل والساحل... هذه عوامل كلها تؤثر في الحرارة أليس كذلك؟ نحن هنا حر، تطلع لبحمدون أو لمناطق أو لجباع، لمناطق أخرى تراها باردة، لماذا (البَرَاد)؟ لا يوجد مناطق مختلفة قرب البحر، بعد البحر، وجود الأشجار، درجة الحرارة عن سطح البحر لها تأثير في تغيير الجو. فإذًا، ارتبطت العملية بعوامل منها حرارة الشمس.
لماذا درجة حرارة الشمس بهذه الكمية لا أكثر ولا أقل؟ لأن بعد الشمس عنا كذا، لماذا بعد الشمس عنا كذا؟ لأن الشمس مرتبطة بالجاذبيات الكونية وهناك جاذبيات تُمسك الشمس من كل جانب، لا تتغير أبدًا ولا تقدر الشمس أن تبتعد أو تقترب منا، في حركة ثابتة أزلية أبدية مقررة لها في الأساس.
فإذا لاحظت، ترى أن هذه الذرة الصغيرة التي تتحرك في غرفتي ترتبط بالجاذبيات والتفاعلات الكونية العظيمة التي موجودة منذ الأزل وفي السماء، العالم كله مرتبط بعضه ببعض. أنتم تعرفون أن الإنسان حينما يتنفس يأخذ كمية من الهواء النقي، فيستعمل هذا الهواء، ثم يرجِّع هذا الهواء ويُخرِج الهواء السام من فمه، أو بالتعبير العلمي الإنسان يأخذ الهواء المؤلَّف من الأوكسجين وآزوت أو نيتروجين حسب تعبيرهم، فيستعمل الأوكسجين ويُخرِج  مع نيتروجين ثاني أوكسيد الكربون المادة السامة. ولذلك، إذا نحن سكرنا هذه الأبواب جميعًا وبقينا نحن هنا، بسرعة الأوكسجين في الهواء هنا ينتهي ونحن نُبتلى بالدوخة ثم نتسمم ونموت.
الإنسان، ملايين في الحياة وفي العالم، والحشرات ملايين الملايين، والأسماك ملايين الملايين، والطيور ملايين الملايين، والحيوانات كلها، جميع الحيوانات وجميع أفراد البشر كلهم يأخذون أوكسجين ويقذفون ثاني أوكسيد الكربون، لماذا لا نموت نحن؟ لماذا الأوكسجين في الجو لا ينتهي؟ لأن الله خلق في مقابل ذلك الأشجار، فالأشجار والنباتات تأخذ ثاني أوكسيد الكربون وترجِّع الأوكسجين النقي الصافي. وأغرب من ذلك أنه منذ مئتي سنة إلى الآن كميات الأوكسجين في الجو ثابتة، يعني هناك ميزان، في كفة من الميزان موجود كل شيء هناك إنسان وحيوان وحشرات وطيور، وفي كفة أخرى موجود الأشجار والنباتات وكل شيء، لا يزداد أحدهما عن الآخر ولا ينقص.
افترِضوا بركة يدخل فيها الماء بكمية معينة ويخرج بكمية أكثر، لن يكون هناك ماء في البركة، إذا دخل بكمية أكثر وخرج بكمية أقل، الماء يطفح، لكن إذا دخل بكمية وخرج بنفس الكمية يبقى ماء البركة متساويًا. هكذا حصل في العالم، نسبة الأشجار مقابل نسبة البشر والحيوانات نسبة متساوية لا زيادة ولا نقيصة.
فإذًا، هناك ترابط في العالم وحساب في العالم، والنظام في العالم مرتبط؛ حركة الشمس مرتبطة بحركة الأرض، إشراق الشمس غير مرتبط بنمو الأرض، إشراق الشمس مرتبط بتبخير المياه وكمية الأمطار، كمية الأمطار تعود إلى كمية الأشجار؛ وهكذا كل شيء في هذا الكون مرتبط ارتباطًا وثيقًا بالأشياء الأخرى.
فإذًا، العالم متماسك، من غير الممكن أن يكون الخالق أكثر من واحد لأن العالم شيء واحد، صحيح نحن نراه متفرقًا وأجزاء وأصنافًا وأقسامًا ولكن حقيقته واحدة. دليلان بسيطان دون أن ندخل في النقاش الكلامي ونبتعد عن الفكرة: لا إله إلا الله لأن العالم واحد، ولأن القوانين التي تتحكم في العالم واحدة. فإذًا، خالق الكون واحد، شرقًا وغربًا وجنوبًا وشمالًا، أرضًا وسماء ماضيًا وحاضرًا ومستقبلًا. فإذًا، لا إله إلا الله على صعيد العقيدة أمرٌ ثابت: الله واحد؛ هذا الجانب العقيدي من كلمة قولوا لا إله إلا الله تفلحوا. أما الجانب العملي من هذه الكلمة، إذا كان الله واحد وإذا آمنا بالله الواحد ماذا سيكون؟ نتمكن أن نصنِّف آثار التوحيد صنفين: آثار فردية وآثار اجتماعية، ونصنف الآثار الفردية إلى آثار نفسية وآثار عملية، ونصنف الآثار الاجتماعية إلى آثار اقتصادية وآثار اجتماعية بالمعنى الأخص، ونصنف الآثار النفسية إلى آثار فكرية عقلانية وآثار عاطفية ونفسية بالمعنى الأخص.
فإذًا، نحن أمام عدة أبحاث ما تأثير الإيمان بالله الواحد على الصعيد الفكري؟ إذا آمنا بالله الواحد ماذا سيكون؟ ما هو تأثير الإيمان بالله الواحد على الصعيد النفسي؟ ما هي مشاعرنا؟ ما هي عواطفنا؟ ما هي أحاسيسنا؟ ما هو تأثير الإيمان بالله الواحد الأحد على الصعيد العملي؟ هذا على الفرد.
ما هو تأثير الإيمان بالله الواحد على الصعيد الاجتماعي من قوانين وعلاقات وأنظمة؟ وما هو تأثير الإيمان بالله الواحد على الصعيد الاقتصادي؟ هل الاقتصاد يتغير مع الإيمان بالله الواحد؟ نعم، نحن نقول نعم. علينا أن نبحث في هذه الأبحاث الخمسة الآثار الفكرية للتوحيد والآثار النفسية للتوحيد والآثار العملية والآثار الاجتماعية والآثار الاقتصادية، علينا أن نبحث هذه الأبحاث الخمسة حتى نستوعب مفهوم كلمة قولوا لا إله إلا الله تُفلحوا، فإلى أبحاث ولقاءات أخرى، والسلام عليكم.
السؤال الأول لسماحة الإمام، ماذا يُقصد في الآية الكريمة: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة، 7]، هل المغضوب عليهم هم قومٌ محدودون أو محددون؟
بالنسبة لـ: ﴿غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة، 7]، المشهور في التفاسير أن المغضوب عليهم هم اليهود، والضالين هم النصارى؛ وأنا في تفاسيري التي أعملها في صور في ليالي السبت حاولت أن أستعرض وأتتبع الموارد التي تستعمل كلمة المغضوب عليهم، مثلًا أولئك الذين غضب الله عليهم، وأيضًا كلمة الضالين ما هو المصطلح الخاص للقرآن في قضية غضب الله عليهم وقضية الضالين، لأن الحقيقة نحن عندنا أثر يقول أن القرآن يفسر بعضه بعضًا، يعني إذا استخرجنا من القرآن تفسير القرآن يصير أفضل. فبعد الاستخراج الطويل اعتقدت أن المغضوب عليهم هم الذين عرفوا الهداية ثم انحرفوا، أما الضالون فهم الذين ما وصلوا إلى الهداية، هذا المفهوم الشامل. يعني المغضوب عليه هو الذي عرف الحق فأنكره، أما الضال فهو الذي ما عرف الحق؛ وهذا ينطبق على فرق من اليهود وفرق من النصارى، وينطبق في كل عصرٍ على جماعة من الجماعات. يعني نحن في عصرنا هذا أيضًا نتمكن أن نقول هناك مغضوبٌ عليهم الذين عرفوا الحق فأنكروه، وضالون الذين ما عرفوا الحق، وأعطيت تفسيرًا معاصرًا لهذا الموضوع من اليسار واليمين واستخرجته بصورة مفصلة، وإن شاء الله أحاول أن أجلب لكم هذه الحلقة ترونها أو تقرأونها، مقابل الصراط المستقيم لأنه نحن بالفعل اسم الخط الإسلامي عندنا نفضل أن نسميه بالصراط المستقيم، لا اليسار ولا اليمين.
القرآن الكريم يقول: ﴿اهدنا الصراط المستقيم * صراط الذين أنعمت عليهم غير المغضوب عليهم ولا الضالين﴾ [الفاتحة، 6-7]، يعني هناك ثلاثة خطوط: خط الذين أنعم الله عليهم الصراط المستقيم، خط الذين غضب الله عليهم اليمين، وخط الضالين اليسار؛ هكذا افتهمت أنا من هذه الآية. طبعًا هذا تطبيق معاصر للفكرة، لكن القرآن يقصد بالمغضوب عليهم هم الذين عرفوا الحق فأنكروه، وبالضالين هم الذين ما عرفوا الحق.
سيدي، ما الحكمة من الحجاب في الإسلام، وما مدى وجوبه كزيٍّ إسلامي؟
الحجاب في الإسلام صيانة لإنسانية المرأة، يعني الإسلام لا يريد أن تكون المرأة أنثى فقط، لا يريد الإسلام أن تكون المرأة لوحة فنية فقط؛ المرأة المعاصرة... تحاول الحضارة الحديثة كذبًا وتضليلًا أن تدَّعي حرية المرأة، ولكنها تُقيد المرأة بشكل غير مباشر في إطار معين؛ يعني لاحظ الأفلام والقصص والمجلات والمسرحيات والمجالس و[...] الحجاب الشرعي بالشكل الصحيح والحمد لله موجود عندنا بين بناتنا وسيداتنا. الحجاب الشرعي موفور، ولا يمنع أي نشاط اجتماعي، ومنهن من تشتغل كأبطال في الحقل الاجتماعي من دون أي نقص أو أي عجز في هذا الموضوع.
سماحة الإمام، أرجو إعطاء رأيكم بعلم النفس المعاصر Psychologie، وكيف يحل الإسلام المشاكل النفسية عند الإنسان. وشكرًا.
علم النفس يا سيدي مثل كل العلوم إنتاج بشري مقدس محترم يُعتمد عليه؛ بطبيعة الحال هذا لا يعني الاعتراف بمبالغات علم النفس، آراء فرويد، مثلًا، الذي يُسنِد جميع نشاطات الإنسان إلى الجنس، أو آراء علماء النفس الماركسيين الذين يُسندون جميع إنتاج الإنسان ونشاطات الإنسان إلى المشكلة الاقتصادية. من دون أن نبالغ في الموضوع، علم النفس علمٌ من العلوم يُدرس مثل الفيزياء، مثل الكيمياء، مثل سائر الأمور.
أما في الإسلام، الإسلام ليس علم نفس، ولكن يُستخرج من بعض النقاط في الإسلام الاهتمام بعلم النفس وحل العقد، مثلًا من هذه النقط قضية الشك، السرساب. السرساب مرض، مرض عصبي، الإسلام يعالج المشكلة بالتنكر والتجاهل ويقول: «لا تعودوا الخبيث»[1]، الشيطان، لأن الشرور كلها من جنود الشيطان. تجاهل السرساب يعني الإنسان الذي يشك في صلاته يقول إن شاء الله صلاتي صحيحة، يشك في الطهارة والنجاسة يقول إن شاء الله طاهرة، يشك في تنجيس الطفل يقول إن شاء الله ما تنجس، هكذا بالتجاهل يضعف الشعور بالسرساب عند الإنسان.
يعالج الإسلام الحسد مثلًا، الحسد موجود في أكثر النفوس، ولكن الإسلام يقول إذا الحسد ما برز على لسان الإنسان أو على يد الإنسان، هذا الحسد لا يُعاقب عليه: «رُفع عن أمتي تسعة»[2]، -الحديث الشريف يقول-: «رُفع عن أمتي تسعةً أحدها الحسد ما لم يُنطق بشفة»[3]، يعني إذا ما أبرز الإنسان الحسد لا يُعاقب على الحسد النفسي، لماذا؟ لأنه إذا ما مارسنا موجبات الحسد، الحسد يذوب ويذبل وينتهي.
هناك مثلًا معالجات أخرى من هذا النوع في بعض التعاليم الإسلامية، طبعًا لا نقدر أن نقول إن الإسلام علم نفس، ولكن التعاليم الإسلامية تقوم على أساس الاعتراف بمبادئ علم النفس والحقائق النفسية ومعالجتها. وأعتقد أن هذا البحث بحد ذاته مثل البحثين السابقين يستدعي بحثًا طويلًا، وإذا أحببتم أن نكلِّف أحد علماء النفس -والحمد لله موفور عندنا- أن يتحدث في الحلول النفسانية في الشريعة الإسلامية نعملها حلقة من هذه الحلقات، معقول؟ سجِّلوا عندكم نكلف شخصًا يدرِّس حلقة من الحلقات، يتحدث في علم النفس وأحكام الإسلام في هذا الموضوع.
هناك شخص طبيب كبير فارسي اسمه الدكتور ناصر الدين صاحب الزماني، هذا عالم نفسي كبير وله دراسات واسعة في علم النفس بشكل غريب مدهش، لكن مع الأسف ليس موفورًا عندنا. عندنا الحمد لله أطباء في علم النفس وقسم منهم متدينون مستعدون أن يتحدثوا في هذا الموضوع.

Vous avez dernièrement appelé à la grève pour le Sud, mais vous n’avez pas poursuivi. Quels ont été les acquis réels du mouvement?

يسأل السائل أنه أنت عَمِلتَ إضرابًا، ما أخذت شيئًا، قضية الإضراب الذي حصل بالنسبة للجنوب، جواب السؤال نقدم له نسخة من كتاب «أيام جنوبية»، وأجبنا على هذا السؤال بأنه مطاليبنا يوم الإضراب كانت قسمين: قسم عسكري دفاعي، وقسم اجتماعي عمراني. وقلنا إن القضية الدفاعية والحربية لا تعالج مشكلة النزوح، لأن مصر -البلد القوي- صاحبة الأسلحة الحديثة، صاحبة الصواريخ سام ثلاثة واثنين، مع ذلك إذا دخلتَ في المدن الأمامية على القنال تجد مئات الألوف من البشر نزحوا من السويس ومن الإسماعيلية ومن بور توفيق وبور فؤاد، وانتقلوا إلى القاهرة والحكومة المصرية تتكلف في حقهم 22 مليون جنيهًا في الشهر.
الحل العسكري والدفاعي لا يعالج مشكلة النزوح الذي كان سببًا في إضرابنا؛ المشكلة أقوى من طاقة لبنان ولكن: ﴿إنّا لله وإنّا إليه راجعون﴾ [البقرة، 156]. لبنان كبلد من هذه البلاد المعتدى عليها المفروض أنه يستعد، وبالفعل قُدِّمت لائحة بمئتين مليون ليرة للسلاح والتجنيد الإجباري والقضية قيد الدرس، وإن كان هذا لا يقف إطلاقًا لوقف النزوح ولحل المشكلة الاجتماعية.
أما على صعيد المشكلة الاجتماعية والعمرانية تأسس مجلس الجنوب، وخُصصَت في نفس اليوم لمجلس الجنوب ثلاثون مليون ليرة ثم خصصت سبعة آلاف وأربعمئة دونم دخان للقرى الأمامية، تسليفات للمزارعين في الجنوب، عشرة ملايين ليرة لتعمير البيوت والملاجئ في الجنوب، والنشاطات في إطار الإمكانات المتواضعة اللبنانية والجهاز الإداري الفاسد الذي يجب أن نعترف بأن هذا الشيء قائم.
في هذا الإطار أخذنا بعض الشيء، ولا نقدر أن نقول أن إضرابنا كان بلا نتيجة ونحن سكتنا بلا سبب، وإذا تريدون وضوح الأشياء فتُعرف الأشياء بأضدادها؛ يجب أن نقول إن الآخرين ماذا عملوا خلال سنوات وسنوات وخلال مظاهرات وإضرابات، ماذا عملوا؟ وعند ذلك إذا قلنا نحن كمجلس، كشخص ديني، كمؤمنين بتحرك واستفدنا، بإمكاننا أن نقول نسبيًّا عملنا بعض الشيء، ونسأل الله أن يوفقنا للأخذ بالمزيد وأن يغفر زلاتنا. نعم.
بسم الله الرحمن الرحيم، ما هي غاية الوجود الإنساني؟
هذا بحث طويل، القرآن الكريم عادةً لا يجيب عن هذه الأسئلة، الأجوبة القرآنية أجوبة تربوية وليست أجوبة ماهوية، لماذا خُلِق الإنسان؟ ما السبب الماهوي؟ مهما كان، الإنسان مخلوق وانتهى، لا أحد يأتي ويسألنا أنه نريد أن نخلق أو لا نريد أن نخلق، الله يستشيرنا ويقول: «مخلوق أو غير مخلوق، هيَّا نخلق هيَّا»، لا نخلق، لماذا؟ لا بحث من هذا النوع، يعني السبب الماهوي غير موجود، إنما المهم السبب التربوي يعني خطة خلق الإنسان القرآن يقول: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات، 56] ومعنى يعبدون يعني يعرفون حسب التفاسير القرآنية، يعني المعرفة التي تؤدي إلى العبادة، ومعنى المعرفة، يعني معرفة قوى الخلق، وهذا طريق خلافة الله كما قلنا في أبحاث سابقة: ﴿وعلم آدم الأسماء كلها﴾ [البقرة، 31] يعني إذا عرف الإنسان القوى الكونية يسيطر عليها ويصبح خليفة الله في الأرض، تنمو الإنسانية وينمو وجود الإنسان. وبإمكاننا أن نذكر بلا قياس وتشبيه -إذا سمحتم- الشخص الذي عنده هواية للزهور، يزرع الزهور، هذه الزهور تنمو وتنبسط، الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان وهو كريم حتى ينمو الإنسان ويسعد بعلمه ومعرفته وأمثال ذلك. كما ترى السبب غير ماهوي هذا وإنما سبب، تعرف، سبب تربوي، لأن الإنسان مخلوق على كل حال أردنا أو ما أردنا موجود قائم. يجب أن نسأل ما هي الخطة؟ ما هي الخطة لخلق الإنسان؟ ما هو الهدف من خلق الإنسان؟ إلى أين سيصل؟ هذا هو السؤال الموجه، والآية تقول: ﴿وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون﴾ [الذاريات، 56]. وأرجع أقول أن هذه الأبحاث أبحاث طويلة يعني كل واحد من هذه الأبحاث يصلح أن يكون محاضرة، وأنا أرجو أن نجمع هذه الأسئلة، ربما في المستقبل تكون دليلًا للمحاضرات الأخرى مني أو من غيري.
كوننا نتحدث عن الله جلَّ وعلا، لماذا نخاطب الله تعالى بصيغة الذكورية، ولماذا لم تكن بصيغة الأنوثية؟
(يضحك)
* هذا السؤال أظن آتيًا من قبل السيدات يعني، الحقيقة أنه على الصعيد اللفظي يعني نخاطب نحن بصيغة الذكورية، ولكن نحن في عقيدتنا الله ليس ذكرًا ولا أنثى، الله سبحانه وتعالى ليس ذكرًا ولا أنثى. أما لماذا نخاطب... هذا عجز اللغة، لأن اللغة في الأساس كان يُخاطب فيها كل الناس بالذكور، وكانوا يعتبرون أن المرأة l’autre الطرف الآخر، الشيء الثاني؛ ولذلك، خصصوا للسيدات لغة خاصة وضمائر خاصة وأسماء إشارة خاصة، ولهذا السبب تُخاطَب الموجودات كلها بالذكر ما عدا الأنثى، وهذا تعبير لغوي الحقيقة لا يتجاوز اللغة، أما إيماننا فالله ليس ذكرًا ولا أنثى، الله فوق الذكورة والأنوثة، أرجو أن يكتفوا بهذا القدر من الجواب.
بسم الله الرحمن الرحيم، هناك من يستبعد من وجود علاقة بين الإيمان بالله والناحية العملية التطبيقية، ويُعتقد أن ما جاء به الدين الإسلامي من تشريعات وأمور اقتصادية واجتماعية إنما كان ليرفع مستوى البدو حتى يدركوا الروحيات التي هي غاية الدين، والدليل هو المسيحية التي لم تهتم بالتشريع لكون الشعب الذي أتت له كان راقيًا من الناحية العملية، ما رأيكم؟ شكرًا.
يا سيدي أولًا أبدأ من الأخير، المسيحية لم تأتِ إلى الشعب المتحضر هذا خطأ، المسيحية كانت في المنطقة التي أتت إليها التعاليم الإسلامية، ثم المسيحية أيضًا ما رفعت من المستوى، الحبشة مسيحية قبل أوروبا ولا تزال متخلفة، وأوروبا عندما كانت مسيحية وتحت سلطة المسيحية ما تقدَّمت، الحضارة المادية تنكرت للمسيحية وتقدَّمت... الحضارة المادية التي نحن لا نعتبرها متقدمة.
أما أن الإسلام رفع من شأن البدو هذا نوافق عليه، وأما هل يتمكن الإسلام اليوم أن يرفع من شأن الشعب المتحضر، هذا الشيء الذي سنبحث فيه من الجانب العملي، يعني نحن سوف نقول أن الإيمان بالله الواحد يكون له أثر عملي على البدو وعلى المتحضر سواءً بسواء كما سنتحدث عنه إن شاء الله.
قرأت في إحدى المجلات أن مجلس الجنوب هو مجلس للجيوب، فما رأيكم في هذا القول؟ وهناك برهان مادي على صحة القول موجود في المجلة من خلال الأرقام المُدْرجة مع السادة؟
أرجو أن يتوجه السؤال إلى مدير مجلس الجنوب، ويؤخذ الجواب من مجلس الجنوب الذي نحن غير مسؤولين عنه، نحن وضعنا ضغطنا حتى الحكومة تعمل والحكومة عملت عن طريق مجلس الجنوب؛ مجلس الجنوب جيد أو غير جيد هذا ليس شغلنا. ثم هناك بيانات لمجلس الجنوب أيضًا موجودة هنا إذا أحببتم أن تطلعوا عليها، لا نقول إن المجلس كان مثاليًّا ولكن نقدر أن نقول إنه عمل الشيء الكثير. أما المزح والنكت فهذه طبيعة لبنانية وطبيعة مصرية يتحدثون. هناك مدارس عديدة وطرق عديدة وكهرباءات عديدة، صار بعض النشاطات لا نقدر أن ننكر ذلك. نعم، أشخاص ينكِّتون وينتقدون، والنقد شيء لطيف بالنسبة للشعب، لأن النقد يوجِّه ويبني. وعلى كل حال، التفاصيل ممكن أن تجدوها في بيان مجلس الجنوب. وليُعلم أن مجلس الجنوب غير المجلس الشيعي الأعلى...، هذا شيء وذاك شيء ثانٍ.
من كثرة الأسئلة نكتفي بهذا السؤال الأخير، هل يرتبط ذكاء الطفل بوالديه، وهل يؤثر زواج الأقارب بالجينات ويُضعف النسل؟ وإذا كان نعم، فلماذا تزوجت فاطمة الزهراء (عليها السلام) بابن عمها علي (عليه السلام)؟
لا شك أن الوراثة لها تأثير كبير في الذكاء وفي جميع صفات الإنسان Génétique الذي كنا نحكي فيها ضمن الدروس الاقتصادية أصل معترف فيه، يعني من الصعب جدًّا أن ننكر تأثير الـ Gèneولو جزئيًّا، لا أقول مئة في المئة لكن جزئيًّا. أما الزواج من الأقارب فمن العوامل، وهناك عوامل عديدة بالنسبة للتأثير على الـGène. أيضًا سؤال طبي إن شاء الله نتوفق في درسه إما مباشرةً أنا أسأل وأتحدث فيه وإما نكلِّف طبيبًا يتحدث فيه، وهناك مؤتمر حول القضايا الوالدية هذا الموضوع يُدرس من قبل أحد الأطباء الكبار، إن شاء الله نحاول أن نقدم هذه الدراسة للإخوان، الليلة حوَّلنا الكثير إلى المستقبل فإلى اللقاء إن شاء الله في المستقبل.
والسلام عليكم.


* الصدر، موسى. (1971، تموز 8). قولوا لا إله إلا الله: المحاضرة الأولى [تسجيل صوتي]. مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات. [غير كامل].
[1]- بحار الأنوار، المجلسي، ج85، ص 270.

[2]- تحف العقول عن آل الرسول، الحراني
[3]- ن.م.

source
عدد مرات التشغيل:150