قولوا لا إله إلا الله: المحاضرة الثانية

الرئيسية صوتيات التفاصيل
calendar icon 15 تموز 1971 المؤلف: موسى الصدر

[...] أولًا، حول البحث الكلامي، لماذا لا إله إلا الله؟
أما البحث الثاني هو البحث العملي، ما هو تأثير الإيمان بالتوحيد على حياة الإنسان؟
فصَّلنا هذا البحث إلى عدة أبواب وفصول: تأثير التوحيد على الفرد من الناحية النفسية، من الناحية الفكرية، ومن الناحية العملية؛ وتأثير التوحيد على الجماعة من الناحية الاجتماعية ومن الناحية الاقتصادية، أخذنا هاتين الناحيتين؛ بحثُنا الليلة في هذا الإطار.
من الطبيعي أن الإيمان بالله الواحد والتنكُّر للإيمان بالآلهة، لأن لا إله إلا الله له عقدين: عقد سلبي وعقد إيجابي؛ لا إله إلا الله تنكُّر لجميع الآلهة والإيمان بألوهية الله هذا له تأثير نفسي وفكري في حياة الإنسان. القرآن الكريم يشير إلى هذا البحث في صورة الأعلى: ﴿سبح اسم ربك الأعلى * الذي خلق فسوّى * والذي قدَّر فهدى﴾ [الأعلى، 1-3]، ثلاث مراحل بعد الخلق: أولًا الله خلق، ثم سوَّى، نحن نركز على كلمة سوَّى يعني فَبْرك الإنسان، يعني أعطاه صفات، ميزات، طبائع، عناصر. بعدما فَبْرك وصنع الإنسان يعني الخلق والاستواء في الخلق، رتَّبه ترتيبًا كاملًا عند ذلك يأتي أمر التقدير: ﴿والذي قدَّر﴾ [الأعلى، 3] يعني جعل ﴿لكل شيءٍ قدرًا﴾ [الطلاق، 3]، وللإنسان قدرًا، يعني خطًّا، دورًا، مهمةً؛ وهَدَى، يعني كلَّف الإنسان أن يمشي في هذا الخط. نحن في مرحلة سوَّى ونريد أن نعرف أو نريد أن نقول: إن الإيمان بالله الواحد والتنكُّر للآلهة يُفبْرك الإنسان، يصنع الإنسان. الإنسان خُلِقَ من الأم مثل كل هذه الموجودات، كما أن الخلق من الله تأهيل الإنسان، التعبير المعاصر: التأهيل، تأهيل الإنسان للحياة هذا الذي نسميه تسوية: ﴿سوَّى﴾ أو بالمصطلح العادي نسميه فبْرَكة؛ هذه هي نقطة وقوفنا.
لا شك أن الإيمان بالله الواحد، أولًا يكوِّن عند الإنسان عدة مشاعر كما أنه يكوِّن عند الإنسان عدة أفكار، نحن حتى لا نُبتلى بالجدل الكلامي والفلسفي لا نفرق بين التأثير النفسي والتأثير الفكري؛ مثلًا الإيمان بالله والتنكُّر للآلهة، يعني عدم العبادة للأصنام، للبشر، للموجودات الطبيعية يكوِّن في الإنسان شعورًا باللامحدودية.-أرجو الانتباه- الإنسان الذي يؤمن بإله الشجر كما هو موجود في كثير من القبائل وكما كان موجودًا في سابق الزمن، حينما يؤمن بإله الشجر يحدِّد بُعد وجوده، هذا مر علينا بصورة إجمالية في أول البحث يُحدِّد بُعد وجوده، لأنه إذا كان خالقي هذه الشجرة فأنا أصغر منها، فإذًا، أنا بُعديَ الوجودي صغير.
إذا عبدتُ صنمًا أو إنسانًا أو شمسًا أو قمرًا، وضعت لوجودي حدًّا، أنا حدودي هذه الدرجة لا أكثر. بينما إذا تنكرت للآلهة المادية، يعني قلت هذه الحجارة، هذا الصنم، هذه الشجرة، هذا الملك، هذا الزعيم، هذه الشمس، هذا القمر هذه ليست آلهة؛ جعلتُ نفسي أرفع، لأي درجة؟ لدرجة اللامحدود، لماذا؟ لأن لا إله يعني أي شيءٍ يُفترض من المحدود فهو ليس إلهًا. الآن، الشمس أكبر الموجودات التي سجد أمامها الإنسان، والشمس أصدق المعبودات تقريبًا ما عدا الإله الواحد، الإله الواحد المعبود الأولي للإنسان بعكس فلسفة Dialectique المعتقدة بأن الإيمان بالله الواحد جاء متأخرًا. هناك آثار وأدلة تؤكد أن الإنسان في أول الخلق كان مؤمنًا بالإله الواحد، لسنا في صدد البحث عن هذا الموضوع ولكن نريد أن نقول إن بعد الله الواحد أصدق المعبودات للإنسان الشمس، أو ما كان يسموه بمهر أو بميترا[1]، أصدق المعبودات وأعظم المعبودات. الشمس لها حدود، لها حدود مادية في الحجم، في الخاصية، في البُعد، في الحركة، فإذا آمنتُ بإله الشمس يعني أنا أصغر من الشمس. لو جلبتُ شيئًا أكبر من الشمس، نحن نعرف أن هناك نجوم أكبر من الشمس، -حتمًا تعرفون أن هناك نجوم، ملايين المرات أكبر من الشمس لكنها بعيدة عنا جدًّا- لو آمنا بألوهية هذه النجوم يعني حددنا وجودنا، أي شيءٍ محدود ليس إلهًا.
فإذًا، أنا بمعنى حقيقي لكلمة لا إله إلا الله يعني اللامحدودية في الوجود الإنساني، يعني أنا لا أضع حدًّا لنفسي حتى ولو حد الشمس، حتى ولو حد النجمة التي تكبر الشمس بملايين المرات. هذا الشعور لا نريد أن نميِّز بين النفسية والفكرية، هذا الشعور يحصل من جراء الإيمان بالله الواحد الأحد. عندما الواحد يسمع هذه الكلمة الطيبة في الحديث الشريف: «كفاني عزًّا أن تكون لي ربًّا»، هذا الشعور ناتج عن الإيمان بالله الواحد، باعتبار أن الإنسان عندما يسمع أن الرب خاصته، الله خاصته صغير يشعر بالاحتقار، لكن عندما يسمع أن: ﴿ما قدروا الله حق قدره والأرض جميعًا قبضته يوم القيامة والسماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر، 67] أن هذا الرب خاصتي ﴿السماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر، 67]، ترتفع الحدود؛ عند ذلك أنا أشعر بنوع من العزة والعظمة، هذا الشعور نفسي يحصل وراء الإيمان بالله الواحد والتنكر للآلهة. بينما أي إلهٍ يُعبد يُحدَد وجود الإنسان هذا أولًا.
من جراء اللامحدودية يحس الإنسان أيضًا بأثر نفسي، بالطموح لأنه حينما أنا أشعر بأن مجالي الحيوي لا ينتهي عند هذه القبيلة، أو عند هذه المدينة، أو عند هذا الوطن، أو عند الكرة الأرضية، بل الله ربي خالق الأزل والأبد، خالق الأرض والسماء، خالق الموت والحياة، خالق الغيب والشهادة وكل شيء... أشعر بأنه الزعيم خاصتي، السلطان خاصتي. الرب خاصتي ميدانه واسع، وهذا الميدان لي، مجال تحركي. ربي ليس الشمس، حتى أنا أكون في ظل الشمس وفي رعاية الشمس، أنا لست زلمة الشمس حتى أكون في مجال تحركي داخل الشمس، بل أنا زلمة ربي الذي: ﴿السماوات مطويات بيمينه﴾ [الزمر، 67].
فإذًا، مجال تحركي يعني طموحي، يعني أهدافي، يعني مساعي... لامتناهٍ، فبالتالي اللامحدودية في الإحساس تتحول إلى اللامحدودية في الطموح، وبالتالي تتحول إلى اللامحدودية في التحرك لأن الهدف إذا كان محدودًا الحركة تتحدد، لأنه أنا إلى أين أريد أن أصل؟ أريد أن أصل لصور، أمامي ساعتين طريق أو ساعة ونصف، ثم أقف. أمامي أريد أن أصل للشمس يا سيدي ثلاثمئة ألف كيلومتر بالثانية، النور يتحرك ونور الشمس يصل إلينا في 13 دقيقة وكسور. فإذًا، حدي هذا إذا وصلت انتهى، وقفتُ. أي هدف محدود يؤدي إلى حركة محدودة، بينما الهدف اللامحدود يؤدي إلى اللامحدودية في التحرك، يعني الحركة الدائمة.
هذه الأشياء الثلاثة أحاسيس مترابطة مع بعض:
أثر نفسي للإيمان بالله الواحد، اللامحدودية في الإحساس، اللامحدودية في الطموح، الحركة الدائمة، هذا أولًا.
ثانيًا، عندما نشعر بالله الواحد، طبعًا الشعور بالخلق معناه الشعور بالحياة في كل شيء -أرجو الانتباه قليلًا- مشكلتنا مسائل بسيطة جدًّا، ولكن لأننا في أيام الطفولة أو في الحالات المشابهة للطفولة، نأخذ العقائد ويغيب عن ذهننا المفهوم الحقيقي لهذه العقيدة. الإنسان الذي يؤمن بالله يعني بالخالق، يجد العالم حيًّا -أرجو الانتباه- الإنسان الذي يرى ويؤمن بوجود الخالق هذا يرى العالم حيًّا، بينما الإنسان الذي لا يؤمن بوجود الخالق هذا يرى العالم ميتًا، لماذا؟ أنت اليوم تجد ورقة تتحرك نتيجة لحركة الريح الهواء، هذه الحركة حركة ميتة، أليس كذلك؟ لأن المحرك لهذا الورق هواء لا هدف ولا تفكير ولا عقل، بينما إذا كنت هنا شعرت بأن هذه الورقة تتحرك بواسطة خيط، هذا الخيط متصل بيد إنسان، الحركة نوعيتها حركة حية، حركة هادفة، حركة وراءها عقل، هنا يوجد فرق بين الإحساس.
الإنسان الذي يؤمن بالله يعني بالخالق، يشعر بأنه هذه الأرض ليست ميتة، هذه الأرض فعل الله، هذه الأرض، هذه الشمس، حركة الشمس، حركة القمر، حركة المياه، الأنهار، الليل، النهار، الفصول هناك يد تحرك، ليست صدفًا. فالحركة الكونية وحركة الموجودات عند الإنسان المؤمن بالله حياة، فالإنسان المؤمن بالله شاعر بأن العالم حي، يعني له حياة، له قلب، له عقل، له يد تحركه بينما الإنسان غير المؤمن لا يشعر بذلك، صدف مثل حركة الورق أمام الهواء.
هذا أثر الإيمان بالخالق ككل، ليس إيمانًا بالله الواحد، لكن الإيمان بالله الواحد يجعل مع الحياة هدف ووحدة، هذه ثلاثة أمور أيضًا تشكل شعورًا واحدًا، ممكن تسمي هذا أثرًا فكريًّا أو أثرًا نفسيًّا، كيف؟ أنا حينما أشعر بأن هذا العالم مخلوق لإله واحد؛ فإذًا، كل هذه المسرحيات، والتحركات، والقصص، والليل والنهار، والشمس والقمر في خلق السماوات والأرض حسب تعبير القرآن والفلك التي تجري بأمره... كل هذا من حركة شخصٍ (بلا قياس وتشبيه) نسميه شخص، الله ليس شخصًا، موجودٌ خالقٌ يحرك هذه المسائل.
فإذًا، هذه الحركة ليست حركة من باب الصدفة حركة عن تعقل وعن هدف، فمجموعة الكون تشكل واحدًا متحركًا هادفًا هذا هو شعور الإنسان أمام الإيمان بالله. طبعًا الإنسان الذي يشعر بأن الخلق –الموجودات- حي لا يشعر بالغربة، يستأنس، يشعر بعدم الوحشة، يشعر بمواكبة الكون معه في طريق الحق، مثلًا القرآن يريد أن يركز هذا الإحساس عند الإنسان المؤمن: ﴿ألم ترَ أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب﴾ [الحج، 18]، كل موجود ساجد.
الآن بالفعل إذا نحن كنا قرآنيين في الإحساس، نحن جالسون هنا ونسمع من الريح سجودًا، من النجوم سجودًا، ونرى من الأشجار السجود، حركة الشمس والقمر سجود، يعني حركة عن علم وعن وعي وعن هدف، أو مثلًا: ﴿يسبح لله ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الجمعة، 1] كل شيء، ليس من في السماوات ومن في الأرض، ﴿ما في السماوات وما في الأرض﴾ [الجمعة، 1]، كل موجود مسبِّح: ﴿يسبح الرعد بحمده﴾ [الرعد، 13]، ﴿والطير صافات كلٌّ قد علم صلاته وتسبيحه﴾ [النور، 41]، ﴿الشمس والقمر بحسبان * والنجم والشجر يسجدان﴾ [الرحمن، 5-6].
هذه الصورة، صورة مليئة بالحركة، والحياة والهدف، أن جميع الموجودات الكونية في حالة في التحرك، وفي وحدة التحرك ونحو الهدف. فإذًا، أنا إذا سلكت هذا السبيل ليس غريبًا ولو أعرض عني جميع الناس، لو كنت مؤمنًا وحدي بين ثلاثة مليارات إنسان لا أشعر بالغربة لأنه في ثلاثة مليارات بشر غير مؤمن، ولكن ثلاثمئة مليار طير، والنجوم، والسباع، والأسماك، والرياح والأشجار... مليارات منها معي في موكب الإيمان الهادف.
هذا الإحساس يساعد الإنسان، يعني الإحساس الأول الذي قلناه اللامحدودية والطموح والحركة، يشكل الشعور بالاتساع، هذا يشكل الشعور بالانسجام ورفع الوحشة والاطمئنان في النفس، هذا الثاني.
الثالث، النظام، الإيمان بالله الواحد كما ذكرنا في الدليل يُستفاد من النظام الكوني، بطبيعة الحال حينما يكون الخالق واحدًا، فإذًا، هناك ترابط بين الموجودات وبالتالي نظام بين الموجودات كما يُشاهد. وهذا يفرض على الإنسان أن يكون منسجمًا مع العالم، منظمًا في التحرك، يعني يطمئن بأنه ليس هناك فوضى في العالم، ليس هناك صدف في العالم، كل شيء له قَدَرَ، له حساب، وأنا واحد من هذه المخلوقات. فإذًا، ثالثًا، لا إله إلا الله يوحي إلي بالنظام.
رابعًا، التوحيد يخلق أمامي التحرر الفكري، كيف؟ نحن اليوم من فضل الله ومن نتيجة مساعي الأنبياء تحررنا من كثير من العقد، الإنسان الذي كان يؤمن بالطوطم مثلًا أنه كل شيء فيه الله: في الشجر، في البحر، في الصنم، في الجبل هناك آلهة؛ بطبيعة الحال ما كان يتمكن أن يطلق تفكيره داخل هذه الموجودات المقدسة. الآلهة التي نفيناها وقلنا لا إله دفعة واحدة، هذه الآلهة كانت تعرقل تفكيري، ما كنت أتمكن أن أطلق أبواب التفكير إلى درجات القداسة، كنت أقف أمام كثير من الموجودات: أمام الشمس، أمام القمر، أمام البحر؛ أمام كثير من الظواهر: أمام الخصوبة، أمام الجدب، أمام العاصفة، أمام الطوفان لأن هذه مقدسة كانت. كان الإنسان يقف في التفكير أمام موجودات مقدسة هي آلهة أو من صنع الآلهة، بينما شَطْبُ هذه الآلهة حررَنا، جعلنا نفكر في كل شيء وفي كل أمر، دون أي تجنب أو تخوف. فإذًا، في الدرجة الرابعة الإيمان بالله الواحد يدعو إلى التحرر الفكري.
وأخيرًا، من المشاعر والأفكار الناتجة عن الإيمان بالله: المسؤولية، لأن شعور الإنسان بأن الكون مخلوق لله الواحد وهو: ﴿الذي خلق فسوى﴾ [الأعلى، 2]، و﴿قدر فهدى﴾ [الأعلى، 3]؛ فإذًا، أنا أيضًا بما عندي من الطموح والتحرك الدائم، وبما عندي من الشعور بالحياة والأنس، وبما عندي من الشعور بالنظام والتحرر الفكري في العالم الواحد: و﴿جعل الله لكل شيءٍ قدرًا﴾ [الطلاق، 3] وهو يراقبني ويراني وأنا من صنعه وخلقي هادف، بطبيعة الحال لا بد أن يكون لي مسؤولية، المسؤولية قائمة أيضًا لا يمكن التهرب من المسؤولية لأنه ليس هناك بلاد مختلفة وفئات مختلفة ومخلوقات متفاوتة بعضها عن بعض، كل شيء في هذا العالم خُلِقَ لهدف ووُضِع له قَدَر يعني دور معين يجب أن يؤديه. فأنا لا يجب أن أحتقر نفسي وأُهمل نفسي وأرى أن عملي لا يهم... كل عمل له مسؤولية لأنه مرتبط بالوحدة الكونية، طالما كل الكون مرتبط بعضه ببعض، فإذًا، هناك مسؤولية وهذا كمال وشرف ودور للإنسان. هذه بعض آثار نفسية أو فكرية تنتج عن الإيمان بالله.
الآن، إذا وقفنا أمام هذه المشاعر بعض الشيء نجد أن الله ﴿خلق فسوى﴾ [الأعلى، 2] يعني ليس فقط خلقنا بهذا الشكل وهذه الأحاسيس، عندما نؤمن نُفبرَك نُصْطَنع يصير عندنا مؤهلات للتحرك، يعني الإيمان بالله نوع من التأهيل أو مدرسة التأهيل للإنسان. الإنسان المؤمن يشعر بهذه المشاعر التي ذكرنا، فيشعر بقوة، بطموح، بنظام، بمسؤولية، بالتحرر الفكري، عند ذلك ينطلق في الحياة، فالأثر الأول للإيمان بالله الواحد صناعة الإنسان.
ننطلق للنقطة الثانية التأثيرات العملية:
أولًا، الإيمان بالله رفع القيود أمام الإنسان في علمه وعمله، كيف ذلك؟ عندما كنا أو عندما كان الإنسان يؤمن بالآلهة، كان من وراء الإيمان بالآلهة آثار معينة، عناصر خُلقت من قِبل الله الأقوى وعناصر خُلقت من قِبل الله الأضعف، عناصر خُلقت من قِبل إله الخير وعناصر من قِبل إله الشر. وهكذا إذا لاحظتم الأدب الذي كان يُكتب في أيام الشرك وتعدد الآلهة مثل أيام اليونان، تجد أن ما لدى الإنسانية في هذا الوقت وما كان لدى الإنسانية في سابق الزمن من المشاكل كلها كانت ناتجة عن الشرك. مثلًا، هناك أشخاص كانوا يسمونهم بالمنبوذين كانوا موجودين إلى فترة وجيزة في الهند الأنجاس المنبوذين، وهناك كان عنصر النبلاء، التفاوت بين المنبوذ والنبيل كان يأتي عن التفاوت في الخالق أو التفاوت في أيام الخلق، الله خلق فلانًا عند أول الصبح وكان بالنهار، خلق فلانًا عند الليل أو عندما كان تَعِبًا، هذه المسائل... هذا موجود في التعاليم الناتجة عن الشرك.
فإذًا، هناك فئة من الناس هؤلاء لا يصلحون للعمل، لا يصلحون للعلم، لا يصلحون لاستلام المهام. كم يأخذ هذا الإيمان وهذا الشعور من طاقة الإنسان؟ وهناك فئات ما فوق العمل، النبلاء الذين ما كانوا يشتغلون أبدًا.
من آثار الشِرك السعد والنحس في الأيام، هناك أيام لا يمكن الشغل فيها مثل يوم 13، لماذا؟ لأن خالق 13 يختلف عن خالق الأيام الأخرى، لأن حالة الخالق يوم 13 تختلف عن حالة الخالق يوم 12 أو 21. يوم 13 نحس، يوم الأربعاء نحس، ثلاثة وخمسة و11 و13، و23 و25 في كل شهر نحس، ماذا يعني نحس؟ يعني لا يُشتغل فيه. أيام أخرى بمناسبة أو بغير مناسبة ما كانوا يشتغلون فيها. فإذًا، هناك أيام نحس، القمر في برج العقرب لا نشتغل، حسنًا! كم من الأيام كانت تروح من جيب الإنسان نتيجة لعدم الشغل؟ هناك أماكن نحس، هناك أماكن لا يمكن الشغل فيها هنا أو هناك؛ هناك بيوت غير ممكن الشغل فيها، مسكونة، مشؤومة؛ هناك حالات لا يمكن الشغل فيها، إذا رأينا الجرة الفارغة، إذا رأينا في الطريق معزى، إذا عطسنا، إذا كان يوم 13، الصبح إذا طلعنا سمعنا صوت البوم مثلًا، من هذه السخافات التي ملأت حياة الماضين ولا تزال تملأ حياتنا. الحديث الشريف يقول: من تطير فامتنع عن سفره فقد أشرك بالله العظيم، حسنًا! هذا الإحساس، اُنظرْ كيف يربط الحديث بين النحس وبين الشرك، التطير، الغراب ينعق، ماذا هناك؟ لا طيَرَة في الإسلام، كما يقول الحديث، الترابط بين التطير وبين الشرك حقيقة.
فإذًا، الشرك تعدد الآلهة، أو تعدد حالات الإله، أو الإيمان بالترابط بين الموجودات العلوية مثل القمر وبرج العقرب والجدي والنجوم الفلانية والفلانية وتأثيراتها على الأرض، هذا كان يخلق للإنسان مشاكل كثيرة، يضع قيودًا على عمل الإنسان؛ أيام نحس، أماكن نحس، حالات نحس، أشخاص نحس، فإذًا، لا يجب أن نشتغل.
ثم، أي شغل! تحرك فلان، عطس فلان، جاء فلان، نظر فلان بعينه... العيون أيضًا العين، لا أفهم أنه من أين أتوا بضربة العين وإصابة العين؟ من بقايا الشرك هذه المسائل؛ وأسخف من هذا الاستدلال بالآية الكريمة تعالى الله عن ذلك: ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر﴾ [القلم، 51]، زلق البصر، يعني كانوا ينظرون إلى النبي بنوع من الهزء أو نوع من التهديد أو نوع من الضغط. الآن قالوا زلق البصر وإصابة العين ومرضوا انكسروا، كل هذه المسائل، تملأ حياتنا هذه المسائل. هذا كله رواسب الشرك، خلِّصوا جميع أحاسيسكم عن النحس والسعد، والأحد والجمعة والسبت والأربعاء، و13 و21، دفعة واحدة كَنِّسوا بقايا الشرك لأن الذي يؤمن بالله الواحد لا يؤمن بكل هذه المسائل.
الإيمان بالله الواحد يرفع القيود أمام العمل، كما أنه يرفع القيود أمام العلم لأن الإيمان بألوهية الموجودات كان يحول دون إمكانية الفحص؛ الإنسان الذي كان يؤمن بإله الجبل ما كان يتجرأ على الدخول في الجبل وتحطيم الجبل، وتجربة الجبل، وكشف الجبل، هذه بعض آثار عملية في تأثير الإيمان بالله على حياة الإنسان. فإذًا، الإيمان بالله الواحد الذي خلق الإنسان، يصنع الإنسان، يُفَبْرك، يجعله طامحًا، متحركًا، متفائلًا، قويًّا، منظمًا، لانهائيًّا في الإحساس، يحرر عقله، ينظف نفسه، يرفع عنه الأغلال والقيود التي تحول دون تحركه، يصنع الإنسان ويقول تفضل الآن انطلق أنت، هذا على صعيد فردي.
على الصعيد الجماعي، انتقلنا إلى الفصل الثاني نذكر كُبريات الموضوع ونترك موضوعين إلى البحث القادم، على الصعيد الاجتماعي بصورة عامة، المفهوم الاجتماعي الذي يشمل المفهوم الاقتصادي، يعني علاقات الفرد بالفرد كل ما قلناه كان تأثير الإيمان على تكوين هذا الموجود.
الآن، علاقات الإنسان مع الآخرين، تأثير الإيمان بالله الواحد ما هو عليه؟ هذا أيضًا نبحث فيه.
الإيمان بالله الواحد يحطم الأزلية والقداسة في الجماعات، في الأنظمة، في الحالات الاجتماعية كالخصوبة، كالفقر، كالمرض، كالجهل، ثم ينفي الطبقية الثابتة بين الموجودات؛ أوضح هذا البحث، كانوا يعتقدوا أن إله اليهود، الفكرة أساسًا من اليهود، إله اليهود وهو يهوه يختلف عن إله الآخرين إما ذاتًا أو صفةً، وبالتالي السعادة ملكٌ لبعض الشعوب، هذه الفكرة التي أخيرًا ظهرت بشكل النازية. بعض الشعوب أفضل من بعض، راسبة الفكرة تصل إلى أن هذا الشعب مخلوق لإلهٍ غير إله الذي خلق الشعب الثاني أو لنفس الإله ولكن في حالتين مختلفتين.
فإذًا، إذا هذا الشعب متخلِّف هكذا أراد الله، أو لأنه خلقه إلهٌ يختلف عن إله سائر الشعوب، هذا الشعب فقير لسبب، هذا النظام قائم، هكذا أراد الله، النظام مقدس لأن الملك ظل الله ورئيس القبيلة من شؤون الله ومن أزلام الله وأمثال ذلك.
نفي الآلهة الذي يؤدي إلى نفي الانتسابات بين الإنسان وبين الله، نفي الانتسابات بين الله وبين الموجودات يعطينا الفكرة التالية، أي حالة اجتماعية ليست أزلية ولا أبدية، ليست من إرادة الله ولا مفروضة علينا إنما هي بما صنعت أيدينا. فإذًا، أي حالة اجتماعية فقر، مرض، ظلم، جهل، تخلف، علاقات غير صالحة، جدب الأرض، خصوبة الأرض... أي شيء تريد في العالم ليس له قداسة قابل للتغيير وقابل للعلاج؛ يعني الإيمان بالله الواحد يفتح أمام الإنسان باب التأثير في كل العلاقات الاجتماعية، ليس هناك شيء مفروض على الإنسان. الإنسان هو الذي يتمكن أن يخلق جميع العلاقات، جميع الارتباطات، جميع الحالات إطلاقًا، وليس هناك من طبقية ثابتة، ليس هناك فرق بين الشعوب، بين الأقوام، بين الفئات، بين الطبقات.
فإذًا، الإيمان بالله الواحد أولًا، يصنع الإنسان الفرد ويحرره من قيوده النفسية والعملية، ثم يضع أمامه إمكانية تطوير كل شيء وتغيير كل شيء، لأنه لا قداسة لشيء ولا أزلية وأبدية لشيء. فإذًا، أنت المحرك الوحيد للتاريخ، اصْنعْ تاريخك كما تشاء، فإذا كنتَ فقيرًا فبما كسبتْ يداك، وإذا كنتَ غنيًّا نتيجة عملك؛ إذا كان شعبك جاهلًا أثر من آثار إرادة هذا الشعب، وإذا كان محكومًا للاستعمار أو للظلم أو للاستبداد نتيجة إرادة الشعب؛ الشعب يريد هكذا فيُبتلى. لا شيءَ مفروضٌ –كالقدر- على الإنسان، الإنسان هو الذي يصنع كل شيء.
الآن نصل لهذه النقطة، فإذا لاحظنا أن الإنسان الطامح المتحرك المتفائل المنظم المتحرر من القيود والانتسابات يقف أمام حياته لكي يحوِّل ويطوِّر مجتمعه وعلاقاته، نجد أن الإيمان بالله الواحد منطلق التحرك الصحيح في حياة الإنسان.
هذا الموجز للبحث، أخص بذكر نقطتين رئيسيتين في الاجتماع القادم بإذن الله أولاهما بخصوص العلاقات الاجتماعية: تأثير الإيمان بالله الواحد على الحكم، حكم الحاكم بصورة خاصة، وثانيًا تأثير الإيمان بالله الواحد على الاقتصاد، ولا تتعجبوا من ذلك بكل سهولة بإمكانكم أن تعرفوا أن الأنظمة الاقتصادية الحديثة كلٌّ منها يحاول أن يجد إيديولوجية أو فلسفةً تعتمد عليها، ونحن نعرف أنه أشهر الأنظمة الاقتصادية المعاصرة الشيوعية تعتمد على الفلسفة المادية الجدليةmatérialisme dialectique  باعتبار أنه أي نظرة اقتصادية أو اجتماعية لا بد لها من جذورٍ فلسفية، فنحن أيضًا ندرس تأثير الإيمان بالله الواحد على الاقتصاد المقترح من قبل الإسلام للناس.
نقطتان أساسيتان علينا أن نبحث فيهما بصورة مفصلة: تأثير الإيمان بالله الواحد على الحكم وتأثيره على الاقتصاد. نقطتان نبحثهما إن شاء الله في الأسبوع القادم بإذن الله، وأنا انتهيت من حديثي.
السلام عليكم.
س: بسم الله الرحمن الرحيم، جاءنا من السيدات ما يلي: السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، منذ بدء هذه الجلسات ونحن نلاقي شتى الصعوبات وخاصة من هذا الموعد المتأخر من الليل الذي لا يتلاءم وظروفنا الاجتماعية كفتيات ومسلمات، لذلك نرجو من سماحتكم تعديل موعد هذه المحاضرة من الساعة الثامنة مساءً إلى الساعة السادسة، لكي يتسنى لنا ولبعض الفتيات مشاركتكم إياها ولكم الشكر سلفًا. بعض الآنسات والسيدات.
ج: يُحال الاقتراح إلى اللجنة وإن كانت الفتيات أو السيدات لسنَ ممثلات في اللجنة، لكن أظن يثقن باللجنة، من قبلي أنا حاضر لكن المانع الوحيد الذي ممكن يعترض سبيلنا قضية الصلاة، لأن إذا بدأنا الساعة ستة، سبعة وربع وقت الصلاة مثلًا تنقطع السلسلة، فإذا ممكن مثلًا أن تكون المحاضرة قبل الصلاة ومن ثم نصلي ونعمل أسئلة، رتبوا الموضوع، على كل حال يُحال إلى اللجنة.
س: مولانا نحن درسنا الموضوع وقررنا.
ج: اللجنة درست الموضوع وقررت سبعة ونصف!
س: هذا رأي اللجنة؟
ج: باسم اللجنة المسؤولة عن المحاضرات نرجو من الحاضرين الذين يهمهم أمر المحاضرات أن يتقيدوا بمواعيدها وذلك في كل يوم خميس الساعة السابعة والنصف مساءً. السابعة والنصف، إذا سبعة ونصف بدأنا وقت جيد يعني ليس متأخرًا، نحن نسمع أن هناك...
س: إذًا، نزولًا عند رغبة السيدات وحفظًا للمصلحة العامة ارتأت اللجنة بعد موافقة سماحة السيد عليها: «باسم اللجنة المسؤولة عن المحاضرات نرجو من الحاضرين الذين يهمهم أمر هذه المحاضرات أن يتقيدوا بمواعيدها وذلك في كل يوم خميس الساعة السابعة والنصف مساءً آملين منكم التقيد بذلك وشكرًا».

ج: يعني بعد الصلاة مباشرةً جيد...
س: سماحة الإمام، يقول السائل في سؤاله، عرضتم في حديثكم أن الفقر والغنى من عمل الإنسان ومن تصرفاته، فهل يتعارض ذلك مع قول الله تعالى بأنه: ﴿يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [البقرة، 212]؟
ج: الحقيقة أن كلمة ﴿من يشاء﴾، هذا بحث مفصل أنا سأشير إليه، كلمة ﴿من يشاء﴾ لا بد لها من تفسير لأنها واردة في القرآن الكريم بالنسبة للهداية والضلال، مثلًا: ﴿يُضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [النحل، 93]، فهل السائل ملتزم بأن الهداية والضلال خارجان عن يد الإنسان؟ كلا. فإذًا، يجب هكذا نفهم القرآن، يعني القرآن يفسر بعضه بعضًا، كلمة ﴿من يشاء﴾ لا يعني أن المشيئة البشرية لا دور لها، والمشيئة الإلهية لها الدور الفريد في المعركة، في معركة الهداية والضلال وفي معركة النسل وفي معركة الرزق كما يبدو في كثير من الآيات القرآنية. والجواب بشكل أساسي عن الموضوع أذكر بصورة موجزة، لأنه هذا بحث يجرنا إلى بحث الجبر والتفويض يعني التسيير والتخيير.
هناك مدارس فكرية يهودية وغير يهودية كانت تضع لإرادة الله حدودًا وكانت تقرر للمصير من رزقٍ أو هدايةٍ أو ضلال خطوط معينة، مثلًا كانوا يقولون نحن أولياء الله وأحباؤه، اليهود قالوا، أو فئة من الناس كانت تقول: إن الله حرم علينا النار؛ بكل أسف الفكرة هذه تسللت إلى الإسلام. بعض الناس بحجة أنهم سادة يعني أولاد النبي قالوا: إن الله حرم علينا النار، كانوا يضعون حدودًا للهداية والضلال، أن فلان مُهتدى بموجب النسل والعنصر، وفلان ضال بموجب النسل والعنصر، هذا بالنسبة للهداية والضلال. بالنسبة للرزق كانوا يقولون إن الله خصنا من رحمته ونحن سعداء لأننا من العائلة الفلانية أو من السلالة الفلانية أو من الطبقة الفلانية، فنحن صار عندنا أموال وأمثال ذلك، يعني كانوا يسلبون مشيئة الله في الهداية والضلال ويضعون حدودًا للهداية والضلال فالقرآن ينفي ذلك، يقول أنتم الذين تقولون أنكم تدخلون الجنة رغمًا عن إرادة الله ومفروض على الله، أبدًا إن الله لا يتقيد بشيء، إن الله يعمل كما يشاء.
هذا النفي لفرض المشيئة على الله، ولكن ماذا يشاء الله؟ مقرر في القرآن الكريم ماذا يشاء الله، إن الله سبحانه وتعالى بنفس الآية: ﴿يضل من يشاء ويهدي من يشاء﴾ [النحل، 93] يتمم الآية بأنكم مسؤولون عما تعملون، أو جميع الآيات التي تؤكد: ﴿فألهمها فجورها وتقواها * قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دسّاها﴾ [الشمس، 8-10]، أو الآيات التي تحدد الضلال والهداية بعمل الإنسان تكشف معنى مشيئة الله، إرادة الله -أرجو الانتباه- إرادة الله في الخلق شاءت أن الذي يعمل يصل والذي يترك لا يصل، الذي يمارس ينجح والذي لا يمارس لا ينجح، الذي يسعى في سبيل الخير يصل إلى الخير والذي يسعى في سبيل الشر يصبح ضالًّا، هذه إرادة الله. أذكر لكم مثالًا، نحن عملنا كهرباء في هذا البلد، في هذه الغرفة حينما نكبس على زر الكهرباء تأتي، إرادة الشخص الذي وضع هذا الجهاز شاء، شاءت إرادته أنك إذا كبست تضيء وإلا فلا؛ حسنًا! إذا أضاءت من دون كبسة هذا خلاف إرادته، أليس كذلك؟ أو إذا كبست وما أضاءت، خلاف إرادته. إرادة الله ومشيئة الله أنك إذا عملت وسعيت تنجح: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس، 9-10]، ليست إرادة الله أن تكون هاديًا ولو كنت مسيئًا، وأن تكون ضالًّا ولو كنت محسنًا، لا، ليس هذا من إرادة الله، إرادة الله أنه: ﴿قد أفلح من زكاها * وقد خاب من دساها﴾ [الشمس، 9-10]، إرادة الله: كيفما تكونوا يولى عليكم، إرادة الله: إن ﴿الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم﴾ [الرعد، 11]، إرادة الله: ﴿ظهر الفساد في البر والبحر بما كسبت أيدي الناس﴾ [الروم، 41].
فإذًا، علينا أن نفهم كلمة مشيئة الله وأن: ﴿الله يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [البقرة، 212]، لا تعني ﴿من يشاء﴾ أنه أنا جالس هنا، الله دفعة واحدة يأتي على باله أن يرزقني بغير حساب، يصبُّ عليَّ (المصاري) من السماء والأرض، أبدًا، لا شيء من هذا النوع، ﴿يرزق من يشاء بغير حساب﴾ [البقرة، 212]. مشيئته أني إذا سلكتُ سبيل كسب المال أصل، وإذا ما سلكتُ لن أصل. أما ما ترون من الثروات غير المشروعة أو الثروات دون تعب فيعود إلى سوء النظام، والنظام أيضًا نتيجة مشيئة الإنسان وإرادة الإنسان. هذا الموجز أتصور في هذا المقال وإذا بحثنا مرة مفصلًا عن التخيير والتسيير، نتحدث فيه بشكل أوسع.
س: وعن النحس، أبعده الله عنكم، جاء السؤال التالي عن موضوع النحس والمعتقدات القديمة السخيفة، أنتقل إلى الطريقة التي يستعين بها البعض ألا وهي الخيرة، التي تستعمل بطريق المسبحة وبنتيجة هذه الخيرة يقوم الفرد بعملٍ ما أو لا يقوم، ما هو موقف الدين من هذه الطريقة؟
ج: الحقيقة أن الخيرة على نوعين: نوعٌ مرويٌّ بروايةٍ صحيحة، ونوعٌ مرويٌّ بروايةٍ معمول بها من قبل الأصحاب. النوع المروي بالرواية الصحيحة عبارة عن أنك إذا أردت أن تعمل شيئًا صلِّ ركعتين وقلْ: أستخير الله برحمته خيرةً في العافية وافعلْ... غير التردد أنه جيد أو غير جيد، ليس الفال، حينما تريد أن تعمل عملًا تطلب الخيرة من الله واعملْ... انتهى، هذا نوع. النوع الثاني، هذا الذي يُعمل بالمسبحة نعمل أو لا نعمل، إذا جاء فرد نعمل إذا جاء زوج لا نعمل، جيدة أو غير جيدة. هذا روايته معمول بها من قبل الأصحاب، ولكن موردها الحَيْرة، يعني الإنسان حينما يريد أن يعمل عملًا إما له أسباب وموجبات شرعية وإما له أسباب وموجبات عقلانية عُقلائية إثباتًا أو نفيًا، فهذا ليس محل الخيرة. أما إذا لم يكن هناك أي موجب شرعي أو منطقي الإنسان يبقى حائرًا والإنسان المحيَّر يتعب وحتى إذا بدأ بالعمل يبدأ بضعف، عند ذلك يستعمل الخيرة كقرعة، والقرعة لكل أمرٍ مشكل أو مشتبه، يأخذ ويتوكل على الله بجانب من الجوانب يعملها.
الخيرة بهذا المفهوم، يعني في وقت التردد والتحير وعدم وجود موجبٍ لتفضيل أحد الجانبين على الآخر شرعًا أو عقلًا، في الحقيقة قرعة والقرعة منطقية إلى حدٍ كبير للخروج عن الحيرة، هذا الذي أعتقده أنا من الخيرة، وأكثر من هذا لا أعتقد. ولمعلوماتكم أنا شخصيًّا لا أستعمل الخيرة سنوات مرت، لأنه لا أتحير في شيء، كل شي عندي واضح إما جيد شرعًا أو منطقيًّا أو غير جيد، ما أتردد أبدًا، ولذلك ليس عندي مسبحة إلا في سجادة صلاتي ولا أستعملها. أما هجوم على الخيرة بهذه الشدة كان قاسيًا، لأنها ليست من بقايا الشرك وليست شركًا لا، هذا الإكثار في الخيرة نوع من السرساب، الحقيقة؛ الإنسان الذي يتعود يعني يحتار كثيرًا، هذا هجوم أكثر من اللزوم على الخيرة كان.
س: لا نزال في موضوع الحسد ونظرة العين: سماحة الإمام، لقد قلت في حديثك أن الحسد ونظرة العين من معتقدات الشرك القديمة، مع أن الناس تقصد بنظرة العين أن هي الحسد وقال سبحانه وتعالى: ﴿ومن شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق، 5] كيف تفسر ذلك؟
ج: الحقيقة أنا ما قلت حسدًا قلت إصابة العين، إصابة العين بالمفهوم الشايع أن هناك ناس وُلِدوا لا أعرف –في الساعة الفلانية أو أمهم أكلت سمكًا أو ملحًا وقت الحمل، أو عندما وُلِدوا عيونهم وقعت لا أعرف- في اللون الأبرص، أشياء، سخافات كثيرة، صارت عندهم؛ عيونهم مالحة كما يسموه الفرس، هؤلاء يضربون الناس بعيونهم؛ مثلًا يذكرون لك أساطير أنه ابني مثل الوردة دخل عليَّ الرجل الفلاني أو المرأة الفلانية قالت لي: هذا ابنك كم هو جميل! راحت هذه المرأة ومات ابني فورًا أو تمرض. وخُذْ قصصًا من هذا النوع (كلكم سامعين) لا لزوم أن أذكر لكم. هذا... أنا أقول أنه غير صحيح ولا يدل عليه دليل، وليس هنا من أي دليل على قبول هذا الشيء، إذا تريد أن تقول أنه يمكن أن يكون إشعاعات، افتراضات غير ثابتة، إذا ما ثبتت نحن لا نقدر أن نعرف. طبعًا نحن لا ننكر أي شيء ولا نؤمن بأي شيء لأن كل من يقبل شيئًا بلا دليل، ابن سينا يقول: أَخْرِجْهُ من رفقة الإنسان، كل إنسان يقبل شيئًا بلا دليل ليس بشرًا، ومن ينكر بلا دليل أيضًا نفس الشيء.
فإذًا، إصابة العين يعني أن الإنسان بعينه هكذا تطلعهُ واستأنسَ بشكله، أو بلبسه، أو ببيته، أو بطفله، أو بمجده، أو بماله انتهى هلك هذا الرجل لأنه أُصيب بالعين، هذا الذي أُنكره ولا دليل على ذلك. أما الحسد، حسد عمل يعني الحاسد يسبُّك، يتآمر عليك، يشتغل ضدك: ﴿من شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق، 5]، طبعًا كلنا نعوذ بالله: ﴿من شر حاسد إذا حسد﴾ [الفلق، 5]، لأن فلان يحسدني؛ يضرني ليس بعينه يضرني بتصرفاته، بلسانه، بتآمره، بمساعيه وأمثال ذلك. فهناك فرق بين الـ ﴿حاسد إذا حسد﴾ [الفلق، 5]، وبين إصابة العين؛ الدليل الشايع عند الناس الذين يكتبونها على قطعة من الذهب ويعلقونها أيضًا على صدر الطفل: ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون * وما هو إلا ذكرٌ للعالمين﴾ [القلم، 51-52] قالوا هذا دليل على إصابة العين والنبي أُصيب بالعين وكذا وكذا... اسمحوا لي أنا شخصيًّا لا أؤمن بكل هذه المسائل، والآية الكريمة: ﴿ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر﴾ [القلم، 51] لها معنى ثانٍ غير إصابة البصر أساسًا.
س: ننتقل من موضوع الحسد والطيرة إلى موضوع الطبقية، السائل يقول: قلتم بأن الإيمان بالله ومعناه انتفاء الطبقية أي أن كل شيء من صنع إرادة الإنسان، كيف توفقون بين هذا القول وبين الآية الكريمة التي تقول: وإنا خلقناكم على درجات... أو بما معناه؟
ج: أولًا، في ارتباط الإيمان بالله مع نفي الطبقية كان لا بد من توضيح صغير، فاتني هذا التوضيح، التوحيد ليس معناه فقط أن الله واحد وليس أكثر، التوحيد الكامل هو ما تقول سورة الإخلاص، سورة التوحيد: ﴿قل هو الله أحد * الله الصمد * لم يلد ولم يولد﴾ [الإخلاص، 1-3]، يعني الوحدة يعني ﴿لم يلد ولم يولد﴾ [الإخلاص، 3]، يعني هو واحد وليس له أنسباء، لا أرحام، ولا أقرباء، ولا أكفاء، ولا جماعة وأنصار، لا من قريب ولا من بعيد. فإذًا، ليس هناك طبقة قريبة من الله وطبقة بعيدة من الله: ﴿إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات، 13]، أما أن هناك فئات مقربة من الله وفئات مبعدة من الله لا يوجد، هذا في الأساس، الطبقية الثابتة ولذلك سميتها.
أما الآية الكريمة فهذه الآية ليست بهذا الشكل المكتوب، الآية: ﴿وقالوا لولا نزل هذا القرآن على رجلٍ من القريتين عظيم﴾ [الزخرف، 31]، هذه الآية الكريمة: ﴿أهم يقسِمون رحمة ربك نحن قسمنا بينهم معيشتهم في الحياة الدنيا ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجاتٍ ليتخذ بعضهم بعضًا سخريا ورحمت ربك خيرٌ مما يجمعون﴾ [الزخرف، 32]، هذه الآية التي في ذهن الكثيرين: ﴿ورفعنا بعضهم فوق بعضٍ درجات﴾ [الزخرف، 32] أنا ذكرتُ في سلسلة من السلاسل، الحلقة من السلسلة الماضية مفهوم هذه الآية، هذا لا يعني أن هناك طبقة فوق طبقة بل معنى ذلك أن بعض البشر فوق بعض في كفاءات معينة وبنفس الوقت البعض الآخر فوق هذا في كفاءات. مثلًا أنا اختصاصي في الفقه فوق صديقي الطبيب في الفقه، فأوجهه وأُسخره ويطيعني في اختصاصي، بينما هذا الطبيب إذا أنا تمرضتُ هو فوقي في اختصاصه فيسخرني ويفرض علي وأُطيعه في هذا الاختصاص؛ ونحن الاثنان إذا أردنا أن نشتغل مثلًا نعمل عملًا قانونيًّا نرجع للمحامي، فالمحامي فوقنا معًا في اختصاصه فيسخرنا ونسمع معًا حديثه. كل إنسان في حقل اختصاصه فوق الشخص الآخر فيسخِّره، هذا المفهوم. كل إنسان له كفاءة وفي كفاءته ما هو أقوى من الآخر، ممكن أكون أنا أقوى منك في الفقه وأنت تكون أقوى مني في الزراعة، أو أقوى مني في المحاسبة، أو أقوى مني في التجارة، أو أقوى مني في الفيزياء أو في الكيمياء، كل إنسان له اختصاص، ليس هناك طبقية ثابتة، جماعة فوق بعض هذا غير وارد في القرآن الكريم إطلاقًا، والدليل على ذلك الآيات الأخرى: ﴿يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكرٍ وأنثى وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم﴾ [الحجرات، 13].
نعم، بالإذن من اللجنة يظهر أن حول السؤال سؤال آخر، تفضل.
س: السؤال وارد حقيقة... بسم الله الرحمن الرحيم قلتم أن ما يصيب الإنسان هو بما كسبت يداه، فكيف تفسر الإيمان بالقضاء والقدر، الزلازل والأمراض التي يعتبرها الحديث الشريف تكفيرًا لذنوب الإنسان ويأمره بالصبر، تقدير الرزق على الإنسان الله يبسط الرزق ويفصل، تحديد عمر الإنسان من قبل الله تعالى، ما تفسيرك؟
ج: عدة أسئلة، يا سيدي أما القضاء والقدر فهو جزء هذا البحث، القضاء والقدر ليس موضوعًا آخر غير الموضوع الذي نتحدث عنه، ما معنى القضاء والقدر؟ يعني قُدِّر لي أن أكون غنيًّا أو فقيرًا أو مريضًا أو صحيحًا أو ضالًا أو هاديًا [...].
_________________________
* محاضرة للإمام الصدر في المجلس الإسلامي الشيعي الأعلى في 15 تموز 1971، تسجيل صوتي من محفوظات مركز الإمام موسى الصدر للأبحاث والدراسات.

[1] ميترا أو ميثرا: في الديانة الفارسية القديمة هو الإله الابن المنبثق عن إله الخير، وهو المنقذ القادم إلى الأرض لكي يخلّص أتباعه من إله الشر.

source
عدد مرات التشغيل:227